لم يكن انسحاب سعد الحريري، ابن رفيق الحريري ووريث مشروعه السياسي والاقتصادي، من الحياة السياسية، وحده الأمر غير العادي الاثنين الفائت. غير العادي، أيضاً، كان الصّمت الذي أطبق، ولا يزال، على «عرين العمّة» التي كانت جالسةً قبالته وهو يتلو آخر بياناته السياسية. لم يُقطّع مناصرو الحريري من الصيداويين أوصال المدينة غضباً واحتجاجاً، كما فعلوا عام 2011، حين أخرجته قوى 8 آذار من الحُكم بالقوّة. لم يرفع أحدٌ في طول المدينة وعرضها صورَه، تعبيراً عن الحبّ والولاء. لم يصدر صوت من أهل المدينة الفاعلين يناشده التّراجع والعزوف عن قراره بالانكفاء. كلّ ذلك غير عادي. ربما أنهكَ وضع البلد المُتردّي وأزمته الاقتصادية الصيداويين، كسائر اللبنانيين، حتى ما عاد لهم جَلدٌ على السياسة وأهلها. ربما السبب هو انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 التي انخرطت فيها المدينة، كسائر المدن اللبنانية، في وجه منظومة حكمت البلاد والعباد لثلاثة عقود، وكان الحريريون قلبها وفي صُلبها. وربما استهلك الحريري، على مدى 17 عاماً، كل الرصيد الذي ورثه عن والده في قلوب محبّيه، حتى تعبوا من الهتاف لرجل لم يَزُر مسقط رأسه إلّا مرّات معدودة، مُذ ألبسوه عباءة الخلافة. ربما كلّ ذلك... وأكثر.

لم يُفاجأ الصيداويون، كما اللبنانيون، بقرار الحريري عدم ترشحه للانتخابات المقبلة وانسحابه من العمل السياسي، بعد أسابيع عدة تكفّلت فيها التسريبات الآتية من أبو ظبي بالتّمهيد لقراره. أما إلزام الحريري كامل أسرته، وتحديداً عمّته بهية، بقرار الانسحاب من العمل السياسي، فهو ما لم يكن يتخيّله أحد في المدينة، حتى الخصوم. فللعمّة مع المدينة علاقة خاصة، تتجاوز علاقة الصيداويين بابن شقيقها، وقد نجحت في بنائها على امتداد ثلاثة عقود من العمل في السياسة، وما يزيد عليها بعقد من العمل في الشأن العام، من خلال ترؤسها «مؤسسة الحريري» التي أسسها شقيقها في صيدا، عام 1979، وافتتاحها مؤسسات تربوية وثقافية وصحية في المدينة، ما مهّد لتربّعها ممثلةً عن المدينة في المجلس النيابي منذ أول انتخابات أُجريت بعد «اتفاق الطائف» عام 1992. تمكّنت الحريري من خلال عملها السياسي وموقعها النيابي، وعبر نفوذها المُستمَد من شقيقها ومن ثم ابنه، ومن خلال الرّمزية التي مثّلتها «أخت الشهيد» في وجدان الشارع الصيداوي، من إحكام قبضتها على المدينة، حتى باتت «أوامر السِّتْ» فيها لا تُكسَر، في كلّ ما يرتبط بها من قريب أو من بعيد. ورغم كل السنين الصعبة التي مرّت على المستقبليين، والخسارات السياسية والشعبية التي مُنيَ بها ابن شقيقها، إضافةً إلى الضائقة المالية التي عصفت به، وأرغمته على إقفال مرافق خدماتية متنوعة في المدينة، وانعكست تراجعاً في المِنح والمساعدات التي اعتادت «الفيلا» تقديمها للصيداويين، تمكّنت الحريري من حماية مقعدها النيابي في انتخابات عام 2018، من دون أن تحتاج إلى نسج تحالف انتخابي مع أي من القوى السياسية، أكان في صيدا أو في جزين، فجمعت ما يوازي تقريباً الأصوات التي جمعتها قوى المدينة التقليدية مجتمعةً.
رغم كل ذلك، حسمت العمّة قرارها، وأبلغت إلى مقربين منها وكوادر منسقية المستقبل في المدينة، وفق مصادر مطلعة لـ«الأخبار»، أنها «ملتزمة بقرار سعد عدم الترشح للانتخابات النيابية المقبلة، هي وولداها نادر وأحمد»، إلّا أنها «لم تجب عن الأسئلة التي طُرحت حول كيفية توجيه أصوات ناخبي المستقبل في الانتخابات المقبلة». وشددت الحريري أمام من اجتمعت بهم أن «بيت الحريري سيبقى مفتوحاً للعمل الخيري والتربوي والاجتماعي»، مشيرةً إلى نيّتها «إعادة تفعيل عمل مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة»، إضافةً إلى «تنشيط عمل بلدية صيدا».

أحمد الحريري في الولايات المتحدة لتوسيع استثماراته التجارية فيها


أما بالنسبة للأمين العام لتيار المستقبل، أحمد الحريري، فتؤكد المصادر أنه «سيلتزم بقرار والدته في مدينة صيدا». وفيما لفتت إلى أن تعليق العمل السياسي لتيار المستقبل «سيقلّص من دوره»، أشارت إلى أنه «توجّه إلى الولايات المتحدة من أجل توسيع استثماراته التجارية فيها».
منسق تيار المستقبل في صيدا والجنوب، مازن حشيشو، أكّد لـ«الأخبار» التزام مجدليون بقرار بيت الوسط، وأن عمل المنسقية «مستمر وسيزيد، إنمائياً وخدماتياً».
إخلاء بهية الحريري مقعدها النيابي لما يقرب من ثلاثين عاماً، يعني خلطاً غير مسبوق للأوراق وقَلباً للمشهد الانتخابي في المدينة رأساً على عقِب، تحديداً في حال عزوف مستقبليي المدينة عن التصويت، ما يعني انخفاضاً في نسب الاقتراع، بالتالي انخفاضاً في الحاصل الانتخابي المطلوب، ما يُسهّل لطامحين كُثر مهمة الظّفر بمقعد آل الحريري، في مسقط رأس «الحريرية السياسية».