أكدت الهزائم الأميركية في أفغانستان والعراق، والإسرائيلية في لبنان وغزة، سقوط أبرز نظريات الحرب المستندة الى «الثورة في الشؤون العسكرية» ومنظومات أسلحتها الذكية، أمام اختبار الميدان. لا ضرورة للتذكير بأن الأكلاف البشرية والمادية بالنسبة إلى الغزاة الأميركيين والإسرائيليين، والفشل في تحقيق الأهداف السياسية لهذه الحروب، كذّبت على مرأى من العالم أجمع مقولات من نوع «الانتصار في الحرب من دون خوض معركة» أو «الحرب مع صفر قتلى»، اعتماداً على السيطرة الحصرية على الجو والتفوّق الكاسح في كثافة النيران. لقد نجحت حركات المقاومة الشعبية، بفضل قوة إرادتها وتصميمها وحسن إدارتها للصراع مع الأعداء وقدرتها العالية على الإبداع، في الانتصار على الأرض. وهي تشرع اليوم، من خلال تطويرها لسلاحَي المسيّرات والصواريخ الدقيقة، في تحدّي سيطرة الأعداء الحصرية على «السماء». وتكتسب المسيرات، تحديداً، في هذا المضمار أهمية استراتيجية ورمزية في آن، لأنها من بين الأدوات الرئيسية للحروب الهجينة التي تشنّها الإمبراطورية الأميركية المنحدرة وحليفها الكيان الصهيوني، نتيجة عجزهما المتعاظم عن خوض حروب كبرى وتحمّل تبعاتها، ووسيلة لاستعراض السطوة العابرة للحدود، ونشر موت «آتٍ من السماء»، في مسعى لا يكلّ لإخضاع من هم على الأرض. مسيّرات قوى المقاومة في المنطقة تعني أن معركة كسر السيطرة الحصرية على السماء ستحتدم.

تندرج المسيّرات ضمن ترسانة الأسلحة الذكية التي كان يفترض أن توفّر للعسكرية الأميركية والغربية والإسرائيلية قدرة على خوض الحرب عن بعد من دون تكبّد أيّ خسائر. لكن، وبما أن استخدامها شهد نمواً متعاظماً مع ما سُمّي بالحرب على الإرهاب، أي في غالبية الأحيان على حركات مقاومة لديها حاضنة اجتماعية واسعة، فإن الأبعاد الرمزية والنفسية لهذا الاستخدام لا تقل أهمية عن تلك العسكرية والأمنية. تثبيت فكرة أن الإمبراطورية، أو إسرائيل، «ترى كل شيء، وتعرف كل شيء» من الأجواء العالية، وتتمتع بسيطرة كاملة تخوّلها كشف أي مقاوم وملاحقته و«اصطياده»، هدفت الى بثّ الرعب في صفوف هذه الحاضنة ودفعها إلى الانقلاب على المقاومة. لكن أداة الإمبراطورية «المطلقة القدرة» سرعان ما تحولت الى وسيلة لارتكاب المجازر العشوائية بحق المدنيين الأفغان والعراقيين واليمنيين وغيرهم، عبر قصف تجمّعاتهم وأعراسهم وبيوتهم، بتوجيه من غرف قيادة عسكرية أميركية في صحراء نيفادا، مثلاً، في الولايات المتحدة. على مدى سنوات، قرر ضباط أميركيون، من داخل غرف عمليات في بلادهم، من يستحقّ الحياة ومن لا يستحقها، وتنفيذ قرار القتل بالضغط على زر، قبل العودة الى منازلهم وعائلاتهم في المساء. ومع الذكاء الاصطناعي، يجري اليوم تطوير جيل جديد من المسيّرات المستقلة، أو الروبوتات القاتلة، قادرة على المبادرة بتحديد أهداف وملاحقتها وتدميرها. تحلم الرأسماليات البرلمانية، التي ترفض غالبية شعوبها المشاركة في الحروب وتحمّل ويلاتها، بتلزيم هذه الأخيرة للآلات، وخصوصاً إذا كانت موجّهة ضد عدوّ أضعف من بلدان الجنوب، ومتابعة حياتها الطبيعية وكأن شيئاً لم يكن. مزيج من غطرسة القوة ومن الإيمان الأعمى بقدرات التكنولوجيا ينتج في أذهان النخب المترفة مثل هذه التهويمات. وهي تصطدم اليوم بواقع التحوّل السريع في موازين القوى الدولية والإقليمية لغير مصلحتها ومصلحة حليفها الإسرائيلي، وترى في تطوير أطراف محور المقاومة لسلاح المسيّرات تحدياً استراتيجياً سيفضي الى تراجع أكبر لهيمنتها على تراب الإقليم وسمائه.