قرّر المجلس التنفيذي لنقابة مستخدمي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تنفيذ إضراب عن العمل، عبر الالتزام بالحضور والامتناع عن القيام بأي عملٍ، من الاثنين لغاية الخميس، والامتناع عن الحضور يوم الجمعة من كل أسبوع. هذا التصعيد أتى احتجاجاً على رفض مجلس إدارة الضمان زيادة رواتب المستخدمين أو تطبيق مرسوم المساعدة الاجتماعية التي أقرّتها الحكومة لصالح العاملين في القطاع العام.

يأتي قرار النقابة رغم موافقتها على زيادة هزيلة على الأجور أو مساعدة اجتماعية تقتطع من تعويضات نهاية الخدمة، لكن التعسّف كان أقسى من الإدارة العليا في الضمان التي أصرّت على حرمان العاملين من جزء بسيط من حقوقهم. فمجلس الضمان يواصل رفض تطبيق المرسوم رقم 8737 القاضي بإعطاء مساعدة اجتماعية مؤقّتة لجميع العاملين في القطاع العام مهما كانت مسمياتهم الوظيفية، قيمتها نصف راتب شهرياً تبدأ من 1 كانون الثاني 2022 ولغاية إقرار الموازنة، على ألا تقلّ عن 1.5 مليون ليرة ولا تزيد على 3 ملايين ليرة. ومجلس الضمان، المعروف بخضوعه لهيمنة مرجعية سياسية، رفض حتى الإقرار بهذه الآلية التي تعمّدت السلطة أن تجعلها تعويضاً لكل العاملين في القطاع العام عن تدهور قدرتهم الشرائية. فقد أدرجت هذه الآلية تحت مسمى «مساعدة اجتماعية» وهي لا تدخل في احتساب تعويض نهاية الخدمة. لكن لم يكن هذا هو السبب وراء رفض الإقرار بها لمستخدمي الضمان، بل حوّل مجلس الإدارة الأمر إلى قضية صلاحيات، معتبراً أن الصندوق ليس مؤسّسة عامة بل مؤسّسة مستقلة ذات طابع اجتماعي وله موارده الخاصة.
وفي هذا يخرج الضمان عن ما استقر عليه اجتهاد مجلس شورى الدولة في حكمه الصادر عام 2017، والذي حسم طبيعة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، واعتبره مؤسّسة عامة مستقلة، تعريف «الشورى» قضى بأن الصندوق تتوافر فيه الخصائص التي استقرّ الاجتهاد على الأخذ بها من أجل تعريف المؤسّسة العامة وتمييزها عن المؤسّسة ذات المنفعة العامة والمؤسسة الخاصة. وخلص إلى أن صندوق الضمان مرفق عام أُعطي شخصية معنوية واستقلالين مالي وإداري، باعتبار أنه أنشئ لتقديم خدمات صحية واجتماعية لجميع المنتسبين إليه، بهدف المنفعة العامة، وهو يدار من خلال مجلس إدارة تمثّل فيه الدولة من خلال ستة مندوبين، وتكون بعض مقرراته خاضعة لوصاية وزارة العمل ولرقابة مجلس الوزراء وديوان المحاسبة، ويعين على رأس أمانة سرّه مدير عام بموجب مرسوم حكومي بناء على اقتراح وزارة العمل، فضلاً عن إمكانية تمويله من خلال سلفات خزينة تمنحها الدولة. لذا، إن اعتبار بعض المؤسسات خاضعة لقانون إنشائها، لا يمكن تفسيره إخراجاً لها من المؤسسات العامة، إنما يفسّر إخراج هذه المؤسسات من القواعد العامة التي ترعى المؤسسات العامة.

حوّل مجلس الإدارة المساعدة إلى قضية صلاحيات معتبراً أن الصندوق ليس مؤسّسة عامة بل مؤسّسة مستقلة


واللافت أن مجلس الضمان يتجاهل الكتاب الموجّه إليه في 31 آذار الماضي من قبل وزير العمل مصطفى بيرم. الوزير طالب المجلس الكف عن اتخاذ القرارات أو إعداد مطالعات، مبنية على أساس أن الضمان ليس مؤسسة عامة، لأنه ينجم عن ذلك إلحاق الضرر بالعاملين في هذا القطاع ويخالف قواعد الخلق الإداري التي تعلو في تدرج القيم حتى القوانين والأنظمة، والذي يوجب على الإدارة أن لا تستعمل سلطتها الإدارية والمالية لمجرد غايات مالية.
في المحصّلة يحرم مستخدمو الضمان من المنحة التي سيحصل عليها سائر موظفي القطاع العام لحين إقرار الموازنة، علماً بأن مجلس الإدارة وافق على مساعدة مماثلة للشهرين الأخيرين من عام 2021، لكنه يرفض تطبيق المرسوم 8737. وقد حذر بيرم الإدارة من الاستمرار بعدم منح هذه المساعدة المقررة والتي تترتب عليها مسؤوليات قانونية ستلجأ سلطة الوصاية، أي وزارة العمل، إلى تطبيقها بالاستناد إلى مبدأ استمرارية المرفق العام.