الواحدة ظهراً، على مقربة من حاجز ضهر البيدر التابع لقوى الأمن الداخلي. يفعل شريط «ساحة الجريمة» الأصفر فعله، هنا عدسات ومراسلون وجنود وحياة، وهناك، على بعد مئة مترٍ تقريباً، أشلاء وزجاجٌ متناثرٌ وسيارات محترقة... وموت.


كلّ شيءٍ من هنا يبدو مبعثراً. الحاجز الذي اعتاد الناس الاكتظاظ عنده، وخصوصاً في الآونة الأخيرة، عليه بضع سيارات محترقة لا تزال في وسط الطريق. المكعبات الإسمنتية الملوّنة بألوان العلم اللبناني أصاب طلاءها الحريق أيضاً. وحدهم عناصر الأدلة الجنائية يجولون ويصولون في الساحة المهجورة لجمع ما تيسر من الأدلة على تفجير حصل هنا، فيما انشغل المراسلون برسائلهم أمام العدسات، «على الهواء مباشرةً». لا دماء تظهر بالعين المجرّدة عن هذه المسافة، لكن بلا شكّ، سالت دماء كثيرة. السيارات التي سلكت من هنا في السابق لتنفجر في الضاحية، كانت إحداها من نصيب الحاجز هذه المرة.
قبل ساعة ونصف ساعة، وصلت إلى الحاجز سيارة «مورانو» رصاصية اللون، وبداخلها، انتحاري. ما إن شرع عناصر الحاجز بتفتيش السيارة، حتى «انتحر» السائق وفجّر السيارة، مصادراً حقّ المؤهّل في قوى الأمن محمود جمال الدين بالحياة، ومسبباً جروحاً متفاوتة لأكثر من 34 شخصاً، صودف وجودهم في ضهر البيدر، في تلك الساعة المشؤومة من صباح أمس.

لم يكن الحاجز هدف التفجير، إذ سبق وقوع الانفجار بدقائق، مرور موكب اللواء إبراهيم
رواية قوى الأمن الداخلي المتداولة، التي كرّر جزءاً منها وزير الداخلية نهاد المشنوق بعد اجتماع أمني عقد ليل أمس في السرايا الحكومية، تفيد بأن «الانتحاري» توقّف قبل توجّهه إلى ضهر البيدر، في طريق داخلية في بلدة صوفر، أمام أحد المقاهي، قرب «عين الماء». شكّ صاحب المقهى بأمره. يقول الأخير: هو شاب «متل القمر» جلس قرب السيارة يتأمل الطبيعة. بدا مكتئباً، يقول الشاهد. تقدم الأخير من الشاب وسأله عن حاجته، فرد، «بلهجة سورية»، بأنه ينتظر الميكانيكي. كان مرتبكاً خلال مغادرته. سريعاً، اتصل الشاهد بالقوى الأمنية، فلاحقت دوريتان من الدرك سيارة الـ«مورانو» التي كانت متجهة صوب بيروت، بحسب مصادر أمنية. سريعاً، أقفلت دورية الطريق أمام «الانتحاري»، فاستدار واتجه صوب البقاع. أبلغت الدوريات حاجز ضهر البيدر بمواصفات الرجل والسيارة، طالبة توقيفه. نفّذ عناصر الحاجز التوصيات. خففوا زحمة السيارات التي تتوقف على الحاجز، ووضعوا سيارة بيك أب لمحاولة سد الطريق أمام الـ«مورانو». وفور وصول الأخيرة، طلب المؤهل الشهيد محمود جمال الدين من السائق ركن السيارة على يمين الطريق. وقال شاهد للمحققين إن الشهيد جمال الدين فتح باب السيارة، وعلا صوت يصرخ في الناس الموجودين قائلاً «بعّدوا»، ثم وقع الانفجار.
لماذا توقّف السائق في صوفر؟ هل انتظر أحداً ما، اتصالاً ما، إشارةً ما؟ وهل صحيح أن الانتحاري شوهد صباحاً في منطقة الجمهور؟ وماذا عن السيارة التي لم يعثر المحققون حتى مساء أمس على أي رقم تسلسلي لهيكلها أو لمحركها؟ كل هذا سابقٌ لأوانه، ولا يمكن الجزم به قبل انتهاء التحقيقات التي تركز حالياً على البحث عن رقم هاتف قال الشاهد إنه رآه في حوزة الانتحاري، فضلاً عن انتظار الحصول على أي معلومات تدل على هوية الانتحاري، استناداً إلى صورته التي عممتها الأجهزة الأمنية أمس، بعدما عثرت عليها في بطاقة الهويةالمزورة باسم شاب من البقاع الشمالي.
لكنّ المؤكّد، أن الحاجز لم يكن هدف التفجير. إذ سبق وقوع الانفجار بدقائق، مرور موكب مدير الأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم باتجاه البقاع. وبعد دقائق على وقوع الانفجار، وصل إلى مكان الجريمة موكب وهميّ ثانٍ لإبراهيم. لكن هذا لا يعني أن أحداً وصل حدّ الجزم، بأن التفجير يستهدف إبراهيم شخصيّاً، علماً بأن الأخير قد تلقّى تحذيرات من أكثر من جهاز أمني محلي وغربي بضرورة أخذ الحذر، وكذلك وصلت إليه عدّة تهديدات، وهو ما أكّده مساء أمس. وكان سبق لإبراهيم، أن أشار بعد التفجير إلى ما نشرته جريدة «النهار» في عدد أمس نقلاً عن موقع «24 I» الإسرائيلي، وذكرت النهار أن «الإعلامية الاسرائيلية اللبنانية الأصل جولي أبو عرّاج كشفت عن وثيقة حصلت عليها من جهاز الموساد تفيد بأن جماعات مسلحة تخطط لعمل إرهابي يستهدف شخصية أمنية لبنانية، يرجّح أن تكون إبراهيم». وفي سياق البحث على الموقع المذكور، لم يتبيّن لـ«الأخبار» وجود أي أصل للوثيقة المذكورة، كما ردّت أبو عرّاج ليلاً عبر بيان على قناة «LBC»، تنفي فيه ما ذكرته «النهار» جملة وتفصيلاً.