دويّ السيارة المفخّخة على حاجز ضهر البيدر سُمع قوياً في كل أرجاء لبنان ظُهر الجمعة. تبعته حالٌ من الهستيريا لفّت الشوارع التي تقلّصت فيها حركة السيارات والمارّة. خُيّل لكثيرين أنّ هجوماً انتحارياً سيحدث في أي لحظة. إلى هذا الحد، كانت الصورة قاتمة. فسارع كل من رئيس الحكومة تمام سلام وقائد الجيش جان قهوجي إلى التخفيف قدر الإمكان من سوادها.


ورغم أن المعلومات الأمنية كانت تجزم بوجود ثلاثة انتحاريين طليقين، عدا ذلك الذي فجّر نفسه، اعتبر كل من سلام وقهوجي أن المعطيات ضُخِّمت أكثر مما تحتمل. يعرف الرجلان أن الوضع خطر، لكنهما رأيا في حالة الهلع التي سُجّلت مبالغة وتهويلاً. جرى ذلك على وقع تداول وسائل الإعلام معلومات متضاربة عن موقوفي فندقي «نابوليون» و«كازادور»، قبل أن يتكشّف أنّ واحداً منهم هو أحد الانتحاريين الثلاثة. هكذا، لم يتبقّ من «خلية الحمرا» قيد التوقيف سوى مشتبه فيه واحد. تعرّف المحققون إلى ضالّتهم: فرنسي أصوله من جزر القمر، اعترف بأنّه قدِم إلى لبنان بعد تكليفه بتنفيذ عملية انتحارية. لم ينته التحقيق معه بعد، لكن المعلومات تقول بأنّه مرسل من قبل تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، علماً بأن هناك مؤشرات تشير إلى علاقة ما تربطه مع تنظيم «كتائب عبد الله عزام». وحتى الآن، لم يتمكن محققو فرع المعلومات بعد من انتزاع إقرارٍ منه عن وجهة السيارة المفخخة أو مكانها. وقد تكون الساعات القليلة المقبلة كفيلة بكشف ملابسات قدومه وهوية الأفراد الذين كان من المفترض أن يلتقيهم. أما باقي الموقوفين الذين جرى اعتقالهم في فندقين في الحمرا، فقد أخلي سبيل معظمهم، فيما ينتظر الآخرون أن تنتهي الإجراءات الروتينية لإطلاقهم.


الأجهزة الأمنية
تتوقع مزيداً من الاضطرابات


وتجدر الإشارة إلى أن اثنين من هؤلاء عُثر في حاسوب كل منهما على مقاطع فيديو لكل من تنظيمي «الدولة» و«جبهة النصرة»، لكن لم يثبت وجود علاقة لهما بالتنظيمين المذكورين. وعلى هذا الأساس، يبقى انتحاريان اثنان طليقين ويجري تعقّبهما، بعد مقتل الأول وتوقيف آخر. وعلى خط مواز، ربما يتعلّق بأنشطة تقف خلفها «الدولة»، تمكّن الجيش ظهر أمس عند حاجز بلدة حربتا من توقيف خمسة أشخاص، أثناء توجههم إلى بلدة عرسال. وبحسب المعلومات الأمنية، الموقوفون الخمسة لبنانيان وثلاثة سوريين. واللبنانيان هما عمر الساطم من منطقة الشمال، (أحد أقارب الانتحاري قتيبة الساطم في حارة حريك الذي تبنّته «داعش»)، وإبراهيم. ب من بلدة عرسال، أما السوريون الثلاثة فهم: عطا الله ب. وعبد الله ب. وجودت ك. وأشارت المعلومات إلى أن المذكورين أوقفوا بناء على «معلومات عن الاشتباه فيهم بالانتماء إلى تنظيم إرهابي»، وقد أحيلوا جميعاً إلى التحقيق، علماً بأن عائلة الساطم تحدثت عن تشابه في الأسماء، كاشفة أن ابنها الموقوف ليس هو الشخص المطلوب، بل إن الساطم المعني كان يقاتل في سوريا قبل أن يغادر إلى العراق.
لم تستفق خلايا «الدولة» وحدها على الساحة اللبنانية، فقد عادت «كتائب عبد الله عزام» إلى الواجهة مجدداً. أمس، أوقفت استخبارات الجيش في الشمال ثلاثة مشتبه فيهم، كشفت المعلومات أنّ أحدهم قيادي في «الكتائب» التي تعتبر، حتى الآن، رأس الحربة في المواجهة مع الأجهزة الأمنية. وأشارت المعلومات إلى أن المذكور يتولّى دور المشغّل والمنفذ في الوقت نفسه على شاكلة نعيم عباس، فيما الموقوفان الآخران تنفيذيان غير مرتبطين مباشرة بـ«الكتائب».
وإذا كان يُلحظ وجود تنسيق معين بين «الدولة» و«كتائب عبد الله عزام»، فقد سُجّل للأجهزة الأمنية اللبنانية، استخبارات الجيش وفرع المعلومات والأمن العام، تنسيق غير مسبوق على صعيد إنشاء غرفة عمل مشتركة وتبادل معلومات بشكل يُعدّ سابقة على الصعيد الأمني. وفي هذا السياق، أبلغ مرجع أمني رفيع «الأخبار» أن الأجهزة الأمنية تتوقع مزيداً من الاضطرابات في ضوء الكمّ المتوافر لديها من المعلومات، ما يجعلها في جهوزية عالية. وتحدث عن «تنسيق على أعلى المستويات لم يسبق أن عرفته الأجهزة الأمنية قبلاً». وعزا المرجع المخاوف إلى «التداعيات المتوقّعة لتطور الأحداث في العراق التي لم تعد تقتصر على ذلك البلد، بل تطاول سوريا والمنطقة برمتها». وتطرق إلى مستوى آخر من التنسيق «يشمل تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية اللبنانية وأجهزة أمنية عربية وغربية تمد نظيرتها اللبنانية بمعطيات متوافرة لديها ترتبط بحركة الإرهاب المتنامية في المنطقة، وخصوصاً أن لبنان لم يعد في منأى عنها، وكان تفجير الجمعة الفائت في ضهر البيدر أحد مؤشرات هذا الترابط الذي يضع كل المنطقة في ظلّ الحملة الإرهابية». ولم يخفِ أن المعلومات الغربية المتعددة المصدر ساهمت على نحو رئيسي في حملة الدهم التي تولتها الأجهزة اللبنانية الجمعة.
وكشف المرجع أيضاً أن الأجهزة الأمنية اللبنانية «تقارب المعلومات المتوافرة لديها من مصادرها، كما من مصادر خارجية تتعاون معها بأساليب مختلفة وأكثر مرونة تتناسب مع المستجدات، بعدما تأكد أن الهجمات الإرهابية تتّخذ أشكالاً مختلفة، ما يقتضي تعزيز عناصر الحيطة والتحوّط في تعقب النشاطات الإرهابية تلك».
من جهة أخرى، سُجّل تطور لافت على الساحة الطرابلسية. فقد نزل عشرات المواطنين إلى مسجد التقوى متظاهرين للمطالبة بإطلاق مساعد الحاج حسام الصبّاغ، ابراهيم إ. المعروف بـ«أبو جبريل». وأشارت المعلومات إلى أن الصباغ حضر إلى جانب الشيخ سالم الرافعي في مسجد التقوى. كذلك سجّل الشيخ حسن قاطرجي موقفاً لافتاً على صفحته على «الفايسبوك». وبعدما تحدّث عن تطويق الجيش منزل الشيخ الرافعي لمدة نصف ساعة، قال إن أعضاء «هيئة علماء المسلمين» سيجتمعون لتدارس الموقف، مرجّحاً التوجه إلى الإعلان عن اعتصام في طرابلس وتصعيد الموقف السياسي «إنكاراً على المسؤولين الذين يوالون الوعود لأهل السنة ثم يغدرون».