أخرج رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أرنباً جديداً يوم أمس، في جلسة لجنة المال والموازنة، أطلق عليه اسم: صندوق التعافي. برّر هذا الإجراء بالإشارة إلى إجراء تعديلات جوهرية على الخطة المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي والتي أقرّتها الحكومة، طالباً من الحاضرين عدم اعتمادها كمرجع لأنه أعدّ خطّة جديدة سيضاف إليها هذا الصندوق المُعدّ «لاسترداد حقوق المودعين».

أتى ذلك، ربما لأن الصندوق السيادي استُهلك وبات مجرد الحديث عنه يثير الانتقادات. فارتأى ميقاتي أن يقدّم للجنة المال والموازنة اقتراحاً يقضي بإنشاء صندوق مماثل في تركيبته للصندوق السيادي ويحمل الأهداف نفسها، أي الاستيلاء على الإيرادات العامة وتوزيعها على حفنة من كبار المودعين والمصارف. وبحسب قول ميقاتي أمام أعضاء اللجنة، فإنه سيتم تأمين تمويل هذا الصندوق عبر ثلاثة مصادر: أولها، 50% من فائض الموازنة الأولي في حال حقق الناتج المحلي نمواً بنسبة تفوق 2%. وثانيها، من فوائد شهادات إيداع مصرف لبنان التي تحملها المصارف في محفظة توظيفاتها. وثالثها، نقل ثلث رساميل المصارف الى الصندوق (في الواقع لا أحد من نواب اللجنة لديه تفسير واضح لهذه المسألة).

(هيثم الموسوي)

عملياً، تقوم خطّة ميقاتي على نقل الخسائر من مصرف لبنان لتوطينها في الصندوق، مقابل تمويل الصندوق بشكل أساسي من المال العام. وبدلاً من استخدام أصول الدولة بشكل موارب في تمويل هذه الخسائر، سيتم استخدام المال العام مباشرة، وتوزيع هذه الأموال إلى جيوب كبار المودعين كتعويض عن خسائرهم في المصارف، وكتعويض عن خسائر المصارف مع مصرف لبنان.
وبذلك، فإن هرم تحميل المسؤوليات، وفق خطّة ميقاتي، يحمّل الدولة الجزء الأكبر من الخسائر، ويحرم الشعب من هذه الإيرادات التي يفترض استعمالها في مجالات تتعلق بالمصلحة العامة. بمعنى أوضح، سيتم إعفاء المصارف من تحمّل مسؤولية هذه الخسائر، لا بل سيتم تعويضها من خلال عملية نقل ثلث الرساميل إلى الصندوق. وسيتم إعفاء مصرف لبنان من المسؤولية أيضاً.
بهذه الطروحات، مرّ ميقاتي على إعادة هيكلة المصارف سريعاً من دون أن يعير الأمر أيّ اهتمام. بل أشار الى أن هذه المسألة تأتي في المرحلة الأخيرة. كما قفز فوق مسألة المحاسبة وتحمل المسؤوليات على مبدأ فتح صفحة جديدة، عنوانها «عفا الله عمن سرق». وأشار في معرض آخر لدى سؤاله عما إذا كان صندوق النقد موافقاً على ما سبق كونه غير مشمول بالاتفاق الأصلي، ردّ بأن «هذا التعديل لا يفسد الاتفاق مع الصندوق». لكن ميقاتي لم يحمل اقتراحاً مكتوباً، إنما تلا على النواب الأعضاء خطته شفهياً وبطريقة سريعة، فطالب معظمهم بإرسال النص مكتوباً ومفصلاً حتى تضع الكتل ملاحظاتها عليه، رغم أنه لا إمكانية فعلية لرئيس الحكومة المكلّف حديثاً إرسال خطة معدلّة الى مجلس النواب في ظل عدم قدرته على التشكيل حتى الساعة.
تخللت جلسة المال والموازنة مداخلات من بعض النواب حول اقتراحات ميقاتي، فرأى النائب علي حسن خليل أن ما طُرح قابل للنقاش ويحتاج إلى تقديمه بشكل رسمي وخطّي. وسأل عن موافقة صندوق النقد، فقال ميقاتي إنه يقوم بالتفاوض مع ممثلي الصندوق ولم ينته بعد. أما رئيس اللجنة النائب إبراهيم كنعان، فلفت الى أن المجلس النيابي لا يستطيع تجاوز الدستور عند مناقشة الخطة التي تحتوي على نقص من ناحية معالجة التزامات المصارف تجاه المودعين والتوزيع العادل للخسائر طالما هناك حديث عن شطب 70 مليار دولار. فطلب ميقاتي من كنعان نسيان الخطة القديمة.
بموازاة ذلك، تطرق كنعان الى تعدّد أسعار الصرف المذكورة في الموازنة والتي تنعكس سلباً على الإيرادات والنفقات والأرقام. فضلاً عن أن الموظفين لا يزالون يتقاضون رواتبهم على سعر صرف يوازي 1500 ليرة لبنانية، في حين أن الضرائب والرسوم في الموازنة محددة وفق سعر منصة صيرفة. وطلب توحيد سعر الصرف للتمكن من إنهائها، فأحال ميقاتي طلب كنعان الى وزير المال ليضع تصوراً ويرسله الى اللجنة.
أعضاء لجنة المال والموازنة طلبوا من ميقاتي اقتراحاً خطياً لمناقشة التعديلات على الخطة


من جانبه، أعاد النائب غسان حاصباني المطالبة باقتراح خطي طالما أن الحكومة لم تحل أي مشروع قانون أو مرسوم إحالة للخطة مع مشاريع القوانين الخاصة بها. ورأى أن حديث ميقاتي عن أفكار جديدة بديلة تفرض عليه إرسالها وفق الأصول لمناقشتها، واصفاً ما يجري داخل الجلسة بأنه «عصف أفكار» ممتاز، إنما يجب ترجمته خطياً. أما النائب فؤاد مخزومي، فقد سأل عن كلفة إعادة الحسابات المصرفية التي تصل الى 100 ألف دولار والمقدرة نسبتها وفقاً لميقاتي بـ 88% من الودائع ككل، وكيف تنوي الحكومة تسديدها. فردّ ميقاتي بأن كلفتها 24 مليار دولار، من دون أن يقدم طرحاً واضحاً حول آلية الدفع ومصدره. أما النائب حسن فضل الله، فقدّم مطالعة عن حقوق المودعين التي يكفلها الدستور ورفض كتلته التمييز بين مودع وآخر، طالباً كزملائه خطة مكتوبة لدراستها.
حضر الجلسة إضافة الى ميقاتي، نائب رئيس مجلس الوزراء سعادة الشامي وكل من وزير المال يوسف الخليل ووزير الاقتصاد أمين سلام. وبدا لافتاً إصدار الشامي بياناً بعد انتهاء الجلسة يقول فيه إن «ممثلي الحكومة استمعوا باهتمام كبير الى ملاحظات النواب والتي يمكن أن تغني الخطة وتساعد في تطويرها بما لا يتعارض مع ما اتفق عليه مع صندوق النقد»، وكأن النواب لا ميقاتي هم الذين أدخلوا هذه التعديلات. وختم على تأكيد ميقاتي تنفيذ الإجراءات المسبقة للتوصل الى اتفاق نهائي مع الصندوق في أقرب وقت ممكن.