بعد نحو عام على انتخاب المطران بشارة الراعي بطريركاً للكنيسة المارونية، انتخب المطران يوحنا يازجي بطريركاً للكنيسة الأرثوذكسية. بدا، منذ البداية، أن التحديات شبه الوجودية التي تنتظر أول خرّيج لجامعة البلمند في سدة البطريركية أكبر بكثير مما ينتظر البطريرك الماروني. فالترهل التنظيمي في الكنيسة الأرثوذكسية أكبر بكثير مما هو عليه في نظيرتها المارونية، وشبح التكفير يحوم فوق الكنيسة المشرقية الثانية من حيث الحجم بعد الكنيسة القبطية، ناهشاً في جسدها الممتد على كامل الأراضي السورية.


إضافة إلى: أولاً، حساسية مواقفها من الأزمة السورية، وهي الكنيسة السورية الأكبر. ثانياً، تعدد الأقطاب في مجلس مطارنتها، وتكريس بعض المطارنة في عهد البطريرك هزيم ما يشبه اللامركزية الإدارية. ثالثاً، انقسام رعيتها وتذمر بعضهم من تزوير تمثيلهم السياسي. ورابعاً، تعدد التيارات العلمانية فيها والتي لا تختلف في السياسة فقط، وإنما في دور هذه التيارات داخل الكنيسة وعلاقتها بالإكليروس.
لعل الإيجابية الوحيدة في وضع يازجي مقارنة بالراعي تكمن في أن ميشال عون وسمير جعجع مارونيان. فكل ما سبق في كفة والسعي (غير الضروري أبداً) للتوفيق بين المارونيين الأول والثاني في كفة أخرى. وما لبث أن خُطف مطران حلب بولس يازجي، وهو شقيق البطريرك، (خُطِف مع مطران حلب للسريان يوحنا ابراهيم في ريف حلب في نيسان 2013) ليزداد الضغط ويتضح أكثر حجم الخطر المحدق بكنيسة يخطف مطارنتها، وتهجّر رعيتها من حمص وغيرها، ويرتدي أحد مطارنتها سترة الجيش السوري.
على غرار الراعي، يأتي يازجي من الرهبانية. والرهبان، كما هو معروف، يميلون إلى الزهد والتقشف أكثر من سائر رجال الدين. ولكن خلافاً للراعي، حافظ يازجي على التقاليد الرهبانية في ما يخص الظهور الإعلامي والعلاقات مع رجال الأعمال والانغماس في المشاكل السياسية. وفضّل، منذ انتخب بطريركاً قبل عام ونصف عام، العمل بعيداً من الأنظار.
تنظيمياً، استحدث بداية مكتباً إعلامياً ودوائر عدة بطريركية تتابع مختلف الملفات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية إضافة إلى القضايا الكنسية. ولم يكن أي من هذا كله موجوداً. أقنع مطران الكويت السابق بالتقاعد بحكم تقدمه في السن (96 سنة)، وقسّم أبرشية أوروبا الغربية إلى ثلاث أبرشيات (باريس وألمانيا وبريطانيا). زار أكثر البلدان حاجة لزيارته، بحسب دراسة موجزة أعدت له، فأمضى نحو 15 يوماً بين البحرين ودبي وأبو ظبي، متجنّباً الدوحة، لا لأنها خيّبت آماله في التفاوض لإطلاق المطرانين، وإنما لوجود أزمة بين الكنيستين الأرثوذكسيتين الأنطاكية واليونانية جراء استحداث الكنيسة اليونانية مطرانية في الدوحة (بدعم من السفير الأميركي في قطر – الأرثوذكسي اليونانيّ)، رغم أن قطر تتبع جغرافياً للكنيسة الأنطاكية.


بدا لافتاً جداً تغيب المطران عودة عن اجتماع ضخم لمناقشة أوضاع الطائفة

مع العلم أن يازجي كان مطراناً على أرثوذكسيي باريس حين انتخب بطريركاً، وهو مطلع ــــ على غرار الراعي ــــ عن قرب على التجربة التنظيمية الحديثة للكنيسة الأوروبية. أما صحياً، فوضع حجر أساس جديداً لمستشفى البلمند، متجاهلاً التسمية السابقة للمستشفى باسم الرئيس سعد الحريري أو غيره. ونظم على صعيد الأزمة السورية الإنسانية مع مطارنة سوريا، وخصوصاً مطران حمص، أوسع عملية إعادة للنازحين إلى منازلهم فور إعلان الجيش السوري أحياءهم مناطق آمنة. وأعيد خلال أشهر قليلة بناء جزء كبير مما تهدم. واستفادت الكنيسة السورية هنا، يقول أحد المطارنة، من تجربة جبل لبنان، فأعادت النازحين بأسرع ما يمكن إلى مناطقهم. وتمثّل الإذاعة الأرثوذكسية إحدى مشاريع يازجي، إضافة إلى تكثيف سعيه أخيراً للحصول على جزء يومي مهم من هواء «تيلي لوميار». أما الأهم من كل ما سبق فهو المؤتمر الأنطاكي الذي عقدت فعالياته الأسبوع الماضي.
أنشأ يازجي قبل أسابيع عدة لجنة تنظيمية لهذا المؤتمر، حرص على إعلام أعضائها بوجوب دعوتهم مختلف المعنيين بالنقاش الأرثوذكسي – الأرثوذكسي، أياً كانت طبيعة علاقاتهم بالمطارنة ورجال الدين. وهو أعلم المطارنة بوجوب أن يحضروا برفقتهم وفداً، لا يتألف من رجال الدين في أبرشيتهم فحسب، ويضم نساء إلى جانب الرجال. مع العلم أن مشاركة من يوصفون بالعلمانيين الإكليروس في إدارة شؤون الكنيسة الأرثوذكسية كانت قبل بضعة عقود أحد أبرز الملفات الساخنة الكثيرة التي وضعها البطريرك هزيم في جارور «حركة الشبيبة الأرثوذكسية» المقفل. ولم تلبث أن توضحت أكثر فأكثر خريطة الطريق الذي ينوي البطريرك الجديد أن يسلكها في برنامج المؤتمر. فها هو يحدد الجلسة الأولى لتفعيل التشاور بين الأبرشيات وتعزيز التكامل، والثانية لتنمية الأوقاف والتعاضد المالي.
في الوقت المحدد لوصولهم، وصلت وفود أوروبية وأميركية كبيرة. اللاذقية ــــ مسقط رأس البطريرك حضرت بوفد كبير، وكذلك فعلت عكار وحمص ودمشق التي تجاوز عديد وفدها الثلاثين شخصية اجتماعية واقتصادية وثقافية، فيما أوفد مطران بيروت خمسة أشخاص فقط، تتقدمهم الوزيرة السابقة منى عفيش وأمين سر حركة التجدد الديمقراطي أنطوان حداد وسكرتيرة المطران وزوجة أحد الآباء. وبدا لافتاً جداً تغيب المطران الياس عودة عن هذا الاجتماع الضخم لمناقشة أوضاع الطائفة الأرثوذكسية، فهو أصيب بوعكة صحية السبت، وبدا في اليوم التالي أنه شفي منها واستعاد عافيته كاملة. وكان أحد المقربين من عودة قد اعتذر عن إلقاء الكلمة الرئيسية في الجلسة المخصصة لبحث التعاضد المالي وتنمية الأوقاف.
حرص يازجي على أن يكون لكل من الوزير السوري السابق وسفير سوريا السابق في الاتحاد السوفياتي حسان ريشة والوزير اللبناني السابق طارق متري كلمة في الجلسة المخصصة لمناقشة حضور الطائفة الأرثوذكسية في المجتمع. حضر متري بموكب من ست سيارات دبلوماسية، وباشر فوراً العزف على وتر حركة الشبيبة الأرثوذكسية المفضل بدعوته إلى النأي بالكنيسة عن الصراعات، موحياً للحاضرين بأن كل ما يحصل حولهم لا يعنيهم أبداً، في فلسفة بدت أقرب إلى نظرية «شهود يهوه» عن وجوب عدم المبالاة بهموم هذا العالم. وما كان ينقص متري سوى القول إن كل ما يحصل في المنطقة لا يعني الأرثوذكسي أبداً، فهو صراع سني ــــ شيعي لا ناقة لهم فيه ولا جمل؛ لا يدفع مطارنتهم وكنائسهم والمواطنون القاطنون في مناطق النزاع ثمنه أبداً. وبقي طوال النقاشات متأهباً لتذكير المشاركين بأن شركاءهم في الأوطان يسمعونهم ولا يجوز استفزازهم حتى ولو كلف ذلك المشاركين عدم البوح بما يفكرون به أو استعراض الحقائق فحسب أو التعبير عن هواجسهم.

ما كان ينقص متري سوى القول إن ما يحصل في المنطقة لا يعني الأرثوذكسي أبداً

إلا أن متري أو مدرسة «استرونا» المتخصصة بإقناع تلامذتها بقبول كل ما يعطى لهم من دون المطالبة بحقوقهم أو الذود عن كرامتهم سواء كان أمناً أو مقاعد نيابية أو حقائب وزارية أو غيره، لم يكن وحده هذه المرة. كان في الصالة الأرثوذكسية من يناقش هذه المرة ويحاجج، مستفيداً من قدرة اليازجي الاستثنائية على الإنصات وعدم التأثر بالأهواء الشخصية أو شعوره بأن فلاناً أهم بالنسبة إليه من غيره، وإن كان ما زال يحافظ على الجزء الأكبر من تركيبة سلفه التي يتقدمها متري. وفي لجان العمل، تشعبت النقاشات، أفرج السوريون عن كل هواجسهم؛ رافضين منطق التفرج جملة وتفصيلاً. وواكبهم مشاركون لبنانيون آخرون، يتقدمهم رجا بدران مثلاً، في رفض منطق الذمية السياسية لبنانياً.
وفي التوصيات النهائية التي أنجزتها اللجان الموسعة وحررتها الوزيرة منى عفيش، تقدمت ثلاث توصيات البنود المئة: أولاً، إنشاء ما يعرف عند الأرثوذكسيين بالمجالس الملية وهو مجلس منتخب في كل أبرشية من مواطنين عاديين تكون مهمته مساعدة المطران في إدارة شؤون الكنيسة. ثانياً، إنشاء لجنة مركزية لإدارة أملاك الأبرشيات في كل أنطاكيا، وهو ما اعترضت عليه أبرشية بيروت على نحو رسمي. فهو يفرض كشف الأبرشية عن كل ما تملكه وجداول حساباتها ويحول دون بيعها أراضيها مجدداً أياً كانت الأسباب. وتبين هنا أن ثمة قانوناً في سوريا يحول دون بيع الكنيسة لأوقافها، الأمر الذي يحافظ على مساحات خضراء شاسعة ويحول دون بيع المسيحيين لأراضيهم وبقائهم بالتالي فيها. وثالثاً، إنشاء صندوق مالي مشترك، يتيح للأبرشيات الثرية مساعدة الأبرشيات الفقيرة. إضافة إلى عشرات البنود المخصصة لوصل مختلف العلاقات المقطوعة بين الأبرشيات، التي لا يفصل بينها غالباً أكثر من نهر كبير. ما من آلية تتيح اليوم محاسبة البطريركية الأرثوذكسية على تنفيذ التوصيات أو عدمه، إلا أن مجرد إصرار يازجي على عقد المؤتمر الأنطاكي، بمشاركة هذا الكم من العلمانيين وتوصيته في بداية المؤتمر المشاركين بعدم تكفير بعضهم بعضاً بسبب آرائهم ورغبته الواضحة بتجميع الآرثوذكس كما يكرر القول وخروج توصيات مماثلة لما كتب يوحي بوجود نفس جديد في البطريركية الأرثوذكسية. ومن يدقق بأعمال المؤتمر وصورته محاطاً ببطاركة الكنائس الأنطاكية المتعددة في افتتاح المجمع الأرثوذكسي ويقرأ البيان الصادر عن البطاركة يعي أنه أخيراً أمام بطريرك يحاول أن يكون بحجم إنطاكيا كلها وعلى مستوى تطلعات مسيحييها، لا بطريرك زاروب.




عار الصمت عن خطف المطرانين

بدأ البطريرك يازجي أخيراً التطرق إلى العناوين السياسية الرئيسية التي بدا في المؤتمر أنها تقض مضجع الأرثوذكسيين. فتوقف مرة تلو الأخرى في تصريحاته عند وصمة العار التي تزين جبين الصامتين عن خطف المطرانين بولس يازجي ويوحنا ابراهيم، فيما هم يدافعون عن حقوق الإنسان، معتبراً أن «خطفهما أفظع انتهاك، لم يسبق له مثيل، لحقوق الإنسان والجماعات في هذا القرن». وذلك بعد أسبوع واحد على اجتماع اللقاء الأرثوذكسي الحاشد (أكثر من 700 مشارك) في ضهور الشوير الذي ندد فيه بالصمت المستمر وغير المبرر للإكليروس عن خطف المطرانين.
وكان الوزير السابق طارق متري (ما غيره) صاحب نظرية الصمت الغريبة هذه، قد دعا لعدم استفزاز الخاطفين. وبما يشبه التطابق مع تأكيد «اللقاء» أنه يحمل لواء مواجهة القوى التكفيرية، أرفق يازجي تهنئته للمسلمين بقدوم شهر رمضان، بسؤاله الله أن يمسح عن عيون البعض غباش التزمت والتكفير، مؤكداً في خطاب آخر «أننا باقون رغم كل الصعوبات والدمار وما يجري في المنطقة ولن نخاف». ودعا مع سائر بطاركة أنطاكية في بيان مشترك إلى وقف منطق التكفير والترهيب وإراقة الدماء.