مساء 10 تشرين الثاني 2019، أي بعد مرور 3 أسابيع على انتفاضة 17 تشرين الأول وإقفال المصارف لمدة أسبوعين، عُقد اجتماع في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية ميشال عون حضره حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وزير المال آنذاك علي حسن خليل، وزير الاقتصاد منصور بطيش، ممثلو جمعية المصارف، ونديم المنلا ممثلاً رئيس الحكومة سعد الحريري. تمحور اللقاء حول ضرورة إقرار قانون تقييد السحوبات النقدية والتحويلات إلى الخارج (الكابيتال كونترول). وافقت جمعية المصارف فيما صمت سلامة. إلا أن صمته لم يدم طويلاً، إذ إنه في اليوم التالي عقد مؤتمراً صحافياً يؤكد فيه بحزم، أن مسألة الكابيتال كونترول غير موجودة وأن المادة 174 من قانون النقد والتسليف لا تمنح المصرف المركزي صلاحية التقييد، خلافاً لما قيل في الاجتماع الرئاسي. وفي مقابل الرفض، كشف سلامة عن رغبته في تبديد ما تبقى من سيولة بالعملة الأجنبية، معلناً أن لديه 30 مليار دولار جاهزة للاستعمال، وطلب من المصارف تلبية الضرورات في عملية التحويل إلى الخارج وإعادة التسهيلات بعد دراستها. جمعية المصارف التي سبق أن وافقت على تقييد السحوبات والتحويلات في الاجتماع الرئاسي، أصدرت بياناً معاكساً يشيد بموقف سلامة الرافض للكابيتال كونترول. هذه كانت الخطوة الأولى نحو تشريع عمليات تهريب الأموال.


التقييد ضروري اليوم وغداً
أتاحت القيود غير الشرعية والاستنسابية التي مورست على الحسابات المصرفية بالاستناد إلى قرار صادر عن جمعية المصارف جرت تغطيته من الحاكم، أن «تنخفض القيمة الدفترية لودائع غير المقيمين (مجمل الإيداعات الائتمانية التي يعود معظمها لمقيمين متخفّين معظمهم من السياسيين والفاعلين) انخفضت بقيمة 12.26 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من أواخر أيلول 2019 ولغاية آخر كانون الأول 2021، مضافاً إليها فوائد مسجّلة خلال فترة 27 شهراً قيمتها 1.74 مليار دولار» بحسب الوزير السابق منصور بطيش.
لذا، تبدو ادعاءات سلامة وغيره بأن الإنفاق على الدعم استحوذ على نحو 12 مليار دولار، أمر استعمل للتضليل على الجريمة المرتكبة. فالمصارف لم تكن لديها سيولة لتغطية تهريب 12 مليار دولار من الحسابات المصرفية، بل حصلت على القسم الأكبر من هذا المبلغ من سيولة مصرف لبنان بالعملات الأجنبية. وهذا المبلغ تم تهريبه بتواطؤ سياسي مصرفي مقابل حمايات متبادلة طوال السنوات الثلاث الماضية.

(هيثم الموسوي)

إذاً، ما الغرض من إقرار قانون للـ«كابيتال كونترول»؟ وهو بات اليوم بعد مرور ثلاث سنوات، لزوم ما لا يلزم، ولا سيما بعد تهريب أموال المحظيين؟ يجيب بطيش: «هذا القانون ضروري جداً حتى لو انقضى عام إضافي، إذ لا يفترض به أن يكون فقط لحماية المصارف بل هدفه أن يضبط العجز في ميزان المدفوعات، بالتالي من الضروري أن يرد ضمن سلّة إصلاحات متكاملة، علماً بأن لبنان لم ينجز من هذه السلّة سوى قانون السرية المصرفية (حتى الآن لا يبدو أن الإنجاز متكمل). والأهم أن قانون تقييد السحوبات والتحويلات يفترض أن يُستخدم لضبط هروب الرساميل، خصوصاً في مرحلة إقراض صندوق النقد للدولة كي يتمكن من استعادة أمواله عند استحقاقها».

«نسرقكم لمصلحتكم»
يتطابق كلام بطيش مع ما قاله نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي لـ«الأخبار». فالقانون «مطلوب حتى لو أتى متأخراً، من أجل ضبط التحاويل للخارج وتنظيمها بشكل قانوني. لأن الاستنسابية ما زالت واقعة، ولأن القانون يتضمن استثناءات تسمح للمرضى وغيرهم بالحصول على الأموال من المصارف». ربما لأجل ذلك، أسقط مجلس النواب بقيادة الرئيس نبيه بري مشروع القانون 3 مرات، بذرائع مختلفة؛
بتاريخ 24 آذار 2020، سحب وزير المال السابق غازي وزني مشروع قانون «الكابيتال كونترول» خلال جلسة لحكومة حسان دياب بأمر من بري. يومها جاهر الرئيس بري علانية بهذا «الإنجاز»، لافتاً إلى أن قانوناً كهذا غير وارد عنده. لاحقاً، ورغم توقيع نائب الكتلة التي يرأسها بري، ياسين جابر، اقتراح قانون معجل مكرّر لقانون تقييد السحوبات والتحاويل قدّمه تكتل «لبنان القوي»، أسقط عنه بري صفة العجلة في 28 أيار 2020، وأحاله مجدداً إلى لجنتيّ المال والموازنة، والإدارة والعدل. كانت الحجّة أن صندوق النقد الدولي قدّم لوزير المال ملاحظات على النسخة المقترحة من مشروع القانون. هكذا وجد المشروع طريقاً نحو الأدراج بطلب من برّي نفسه.
سعادة الشامي: القانون مطلوب حتى لو أتى متأخراً من أجل ضبط التحاويل وقوننتها


بعد نحو سنة، وقبل الانتخابات النيابية الأخيرة، جرت محاولة أخرى لتمريره. فأقرّت حكومة نجيب ميقاتي مشروع قانون «كابيتال كونترول» في أول نيسان 2022 خلال اجتماع في بعبدا. وأحيل المشروع إلى مجلس النواب تمهيداً لإقراره في جلسة تشريعية تسبق الاستحقاق الانتخابي. في حينه، عُدّ من المطالب الرئيسية التفاوضية لصندوق النقد الدولي، وأن إقراره بهذه السرعة في مجلس الوزراء وإحالته إلى المجلس النيابي أتى بضغط من الصندوق. لكن الكتل النيابية أطاحت بالمشروع لأنها افترضت أنه يجب أن يكون مربوطاً بالخطة المالية الحكومية، بينما كان بالفعل مرتبطاً بحسابات انتخابية تتعلق بصناديق الاقتراع. إذ إن الطبقة السياسية والإعلام التابع لها وكل من يدور في فلكها، روّجوا لمساوئ المشروع وأنه سيحرم المودعين من أموالهم. لكن ما إن انتهت الانتخابات حتى عاد القانون إلى التداول. وحاول نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب، الترويج لصيغة جديدة بالتنسيق مع خبراء اقتصاديين وماليين، إنما المبادرة باءت بالفشل غداة ارتفاع أصوات تشير إلى أن المشروع لا يخدم سوى المصارف.
هكذا عاد المشروع من أحضان اللجان المشتركة في 28 تموز 2022 إلى لجنة المال والموازنة للأسباب القديمة نفسها: ضرورة ربطه بالخطة المالية، وبقانون إعادة هيكلة المصارف. وهو ربط «لا يستند إلى أي أساس علمي أو منطقي، بدليل أنه كان يفترض إقراره بعد يومين أو أسبوع من بدء الأزمة لا بعد ثلاث سنوات» يقول الخبير الاقتصادي روي بدارو. لذا، «ليس ثمة حاجة لهذا الربط، علماً بأنه لا ضير من إقرارهم سوياً، إنما اختلاق حجج دائمة تصبّ كلها في خانة توزيع الخسائر (توزيع الآلام وفق تعبير بدارو)، يأتي بينما يدفع المجتمع كله ثمناً غالياً نتيجة استمرار النهج نفسه. بعض أعضاء البرلمان الذين ينتمون إلى المنظومة السياسية، يعيقون كل القوانين ومن بينهما الكابيتال كونترول وإعادة هيكلة المصارف».