تتطلع فرنسا إلى ما يحضّر لمنطقة الشرق الأدنى من العراق إلى سوريا ولبنان، فلا ترى موطئ قدم لها لا في العراق ولا في سوريا، ولا تجد أمامها سوى لبنان كي تحفظ لها استمرارية تسعى منذ انفجار الرابع من آب عام 2020 إلى تكريسها. لكن دورها يتحول خدمة لسياسة فرنسية متعثرة في المنطقة، ولا يستفيد منها لبنان بالمباشر في ظل المعادلات الإقليمية والدولية.
عشية الاجتماع الخماسي في باريس، لا يزال النقاش دائراً بين بيروت وباريس، وحتى في أوساط فرنسية فاعلة، عن السياسة التي تصر إدارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على التمسك بها والعمل بموجبها من دون أن تحقق خطواتها نجاحاً ولو بالحد الأدنى لأسباب متشعبة.
تريد باريس أن تبقي حضورها في لبنان، ليس فقط لصلات تاريخية تعثرت على مدى السنوات وتبدلت أطرها، إنما كي تحفظ لها وجوداً تراه استراتيجياً في منطقة تراجع دورها فيها إلى الحد الأقصى. وهي تنظر إلى الدور الأميركي في سوريا فتراه منحسراً في شكل شبه كامل ومنحصراً في تغطية «قسد» بالحد المطلوب ورافضاً أي تطبيع مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد، كما دورها في العراق الذي لا تزال واشنطن مهتمة به ولكن مع آفاق جديدة تتلاءم مع المتغيرات في المشهد السياسي العراقي. وتنظر إلى السعودية فتراها متخلية عن أي تدخل في سوريا وفي لبنان إلا من خلال بوابة اليمن، فتحاول أن تجد بينهما منفذاً لها في بيروت. لأنه في المحصّلة لم يتبق لها ساحة يمكن أن تجد فيها مدخلاً لسياسة خارجية تشكل لها حضوراً وتقاطعاً مع عواصم مؤثرة، بعد اصطدام سياستها في غير منطقة من أفريقيا إلى أوروبا. لكنها تعلم تماماً أنها لا تقدر أن تكون فاعلة في لبنان بالشكل المطلوب إلا من خلال تغطية أميركية وسعودية. ودلت العبر الكثيرة لفرنسا أن أي حل لا يحظى بموافقة واشنطن لن يكتب له النجاح، مهما حاولت ديبلوماسيتها في بيروت العمل على خط متواز مع الديبلوماسية الأميركية. فالأساس هو تغطية أميركية مباشرة لسياسة فرنسا الخارجية في لبنان، والخطوات التي يمكن أن تقوم بها لصياغة حل لا تزال متعثرة استناداً إلى التجربة. والأمر نفسه ينطبق على مقاربة العلاقة مع السعودية، لأنها تعلم أن أي دعم حقيقي غير قادرة عليه في لبنان إلا من خلال تدخل مباشر للسعودية في الأزمة السياسية والمالية. وكلا واشنطن والرياض تتصرفان بلامبالاة في اتخاذ قرار يغيّر المنحى الحالي. فواشنطن تحصر عنايتها بالجيش والرياض بمساعدات إنسانية محددة. من هنا يأتي الاجتماع الخماسي المرتقب، الذي تسبقه زيارة وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا إلى السعودية والإمارات، غير ذي فائدة كبرى ما لم تتغير سياسة المشاركين الأساسيين فيه. ويظهر بدخول قطر على الخط، وكأنه يؤدي خدمة لباريس وليس للبنان في شكل مباشر. ففي وقت تعثر العلاقات الفرنسية - الإيرانية، وما تمثله العلاقة القطرية - الإيرانية، ودخول قطر على خط التنقيب في بحر بيروت، مع «توتال» الفرنسية ترتسم معالم حدود الدور الفرنسي.

دلت العبر الكثيرة لفرنسا أن أي حل لا يحظى بموافقة واشنطن لن يكتب له النجاح

فباريس تريد حماية مصالحها ومصالح شركاتها وتسعى إلى تحقيق توازن مع دول المنطقة، وتريد إظهار دورها شريكاً متوازناً في لبنان بعد الخلل الذي أصاب عمل ديبلوماسيتها. والنقاش المفتوح منذ أشهر حول الدور الفرنسي الذي كان بعد تظاهرات 17 تشرين ميالاً إلى الأخذ بوجهة نظر المنتفضين على السلطة وبعدها أثر انفجار المرفأ، تبدل على الطريق لتحقيق مبادرة ماكرون. إلى أن أصبح معارضو حزب الله، والمحسوبون تقليداً على فرنسا ينظرون إلى دور باريس من خلال شراكة مستجدة بينها وبين الضاحية الجنوبية. ولم يكن كلام الديبلوماسية الفرنسية في بيروت منذ فترة قصيرة أقل وضوحاً في التعبير عن ضيقها من مواقف قوى سياسية وغير سياسية لها علاقات تاريخية مع باريس، وانحيازها إلى مقاربة حزب الله للوضع الداخلي. وفي موازاة العنصرين الأميركي والسعودي، كانت باريس تراهن على شبك خطوط اتصال مع إيران، لترتيب وضع لبنان، وماكرون الذي وعد أكثر من مرة بزيارة بيروت، يرى بلاده على خلاف معها، في وقت يحاول الحفاظ على ما حققته من قنوات اتصال، فيجد في الدور القطري عنصراً مساعداً، بذريعة لبنان. لكن بقدر ما تعمل باريس لترتيب أوراقها الخارجية بقدر ما يصبح الوضع اللبناني، أكثر هشاشة بين الساحات التي تعمل بها فرنسا، ومعرضاً لتجارب ديبلوماسية تخوضها إدارة ماكرون مرة تلو أخرى. ومن الواضح أن اقتناعاً يترسخ لدى قوى لبنانية، بأن باريس تتعاطى وفق مصالح اقتصادية وخارجية، بقدر يتناسب مع استراتيجيتها الخاصة والمتعثرة، ما يمكن من استخلاص أن نتائج المؤتمر الخماسي المرتقب لن تكون أفضل من النتائج التي حصدها لبنان من باريس منذ أن خطب ماكرون في قصر الصنوبر.