الطريق من «عين المزرعة» في بلدة القرعون البقاعية إلى مخيم النازحين السوريين في مرتفعات «جبل العربي» جنوب البلدة، معبّدة بالحجارة الصغيرة البيضاء. لأكثر من ثلث ساعة، تخترق الطريق تلالاً جرداء قاحلة. لا بيوت هنا، ولا من «يعاملون رزقهم» في حمأة الظهيرة. وحدهم أفراد ما لا يزيد على 17 عائلة سورية نازحة بعيداً عن قمح حوران وكمّون إدلب، تقطن «عريض الهوا»، كما يسمّي أهالي القرعون هذا الجزء من بلدتهم.


«المخيم» ليس مخيماً بالمعنى الحرفي للكلمة، مع أنه يحمل ألم الشتات. لا خيام و«شوادر» كمخيمات النازحين السوريين في تركيا أو الأردن أو لبنان. ولا يشبه تلك الهياكل الهشّة، المسقوفة بـ«الاترنيت» أو «الزينكو»، التي أمضى فيها المهجّرون الفلسطينيون إلى مخيمات لبنان جلجلة البعد عن فلسطين.
في هذه الناحية النائية من البقاع الغربي، بنت دولة الكويت، عبر جمعيات إسلامية، «مخيماً» من أبنية أسمنتية أشبه بمجمّع سكني صغير، لحوالى 150 مواطناً سورياً، على مرأى ومسمع من الدولة اللبنانية. المجمّع، المرشّح للتوسع، لا يحمل صفات السكن المؤقت، بل فيه أسباب للسكن الدائم، ويحمل ملامح «بعبع» التوطين. ويزداد منسوب الريبة هنا مع ما يردده مسؤولون لبنانيون، بعجز مطلق، عن مطالبات دولية بمنح السوريين في لبنان وثائق سفر لبنانية. وإذا كان واجب اللبنانيين احتضان النازحين السوريين، وتوفير مقومات العيش الكريم لهم، ومساعدتهم للعودة إلى قراهم وبيوتهم، إلا أن الدولة اللبنانية مطالبة بلعب دورها في هذا السياق، لا ترك هذه القضية الشديدة الحساسية، إنسانياً وسياسياً، في عهدة منظمات دولية وخليجية من الواضح أنه سيّان عندها بقاء النازحين في لبنان أو عودتهم إلى ديارهم، بل إن ممارساتها توحي بتفضيلها الخيار الأول.
من بعيد، يبدو المخيم كتلتين من الغرف «الباطونية» المتراصّة بشكل طولي، يعلو كلاً منها خزّان بلاستيكي «بترولي» اللون. الى اليسار، مبنى من طابقين لا يزال «على العظم»، يمنح صغار المخيم بعض الفيء من الشمس اللاهبة. 26 غرفة في «المخيم» باتت صالحة للسكن، أو هي سُكنت بالفعل، فيما ينتهي العمل قريباً بالغرف الـ26 الباقية لتحتضن المزيد من العائلات النازحة، إضافة إلى المبنى الملاصق الذي يضم مصلّى ومستودعاً ومطبخاً مركزياً.

قرار محافظ البقاع ومداهمات قوى الأمن المتكررة لم تتمكن من وقف المشروع!
وجنَتَا أنوار تلوّحهما الحمرة. تحفظ الصغيرة ذات العيون الخضراء أسماء أترابها السبعين ربما، وتعرف كل واحدٍ منهم في أي صفٍ مدرسي أمضى العام الماضي. بكلّ ثقة، تقول ابنة السنوات التسع: «إن شالله منرجع للغراية (القراءة) السنة الجايي». قبل المخيم، تنقّلت العائلات بين طرابلس وبر الياس والقرعون، في بيوت للإيجار على الأغلب. من بين أكثر من 150 شخصاً يسكنون المخيم، لا يوجد أكثر من 10 رجال. وتقول ثلاث سيدات إن أزواجهن والرجال الآخرين في المخيم، «يعملون في القرعون إما في النجارة أو في ورش البناء... وبعضهم لا يعمل».
النازحون أكثر من سكان القرعون
الغرف الباطونية تبدو أهون الشرور، بين خيمة لعائلة على طريق عام أو غرفة إيجارها 300 دولار، بعيداً عن مروج بلدة جاسم في درعا أو خان شيخون في إدلب، حيث أصول غالبية النازحين هنا، إضافة إلى عائلة واحدة من ديربعلبة في حمص.
وتحتضن القرعون أكثر من 5000 نازح إلى جانب سكانها الـ4800. وتضاف إلى المخيّم، الذي لا يشكل «أزمة» مباشرة للأهالي بسبب بعده، أكثر من 150 خيمة منتشرة بين بيوت البلدة، في ظروف صعبة على النازحين، وتنذر بالأسوأ مع اشتداد الحرّ وازدياد أزمتي المياه والكهرباء .
ينهمك شبان في مبنى «جمعية الكشّاف المسلم»، على الطريق الرئيسي في البلدة، في إنزال حصص مواد التنظيف التي قدّمتها جمعية إيطالية. في الطابق الثاني، وفد إيطالي يدخل، وآخر من الصليب الأحمر اللبناني والدولي يخرج. الجمعية هي المسؤول المباشر عن المخيّم في الجبل، وهي تنسق مع جمعيات إسلامية يضمّها «اتحاد الجمعيات الإغاثية لرعاية اللاجئين السوريين في لبنان». الاتحاد أمّن الأموال اللازمة لبناء المخيم عبر «جمعية البرّ للأعمال الخيرية» التي اشترت الأرض قبل فترة من أحد أهالي القرعون، مع رعاية واضحة من مفوضية اللاجئين. وما ليس خافياً أن تمويل المخيّم مصدره الكويت.
يقول أحد الناشطين في «الكشاف المسلم» إن الجمعية تتولّى رعاية شؤون المخيّم وعدد كبير من النازحين المنتشرين في خيم داخل البلدة عبر مساعدات من «أهل الخير» ودول وجمعيات مانحة. وعن غرف «المخيم» يجيب بأن «المباني، بعد أن يتركها النازحون، ستعود إلى الجمعية لتنظيم مخيمات شبابية فيها بالاتفاق مع البلدية». وعلى ما يقول الجميع هنا، فإن المسؤول الرئيس عن المخيم يدعى محمد جبارة، وهو عسكري متقاعد من قوى الأمن الداخلي، وناشط في الجمعية.
محمد عميص، الناشط أيضاً في الجمعية، يستغرب «الضجة التي انعملت كرمال المخيم»، مشيراً إلى أن أحداً من الإعلاميين لم يغطِّ توقيع «وثيقة شرف» في آذار الماضي بين أهالي القرعون وسحمر والقرى المحيطة، لـ«عدم نقل الفتنة في سوريا إلى البقاع الغربي، والتأكيد على أن تبقى القرى والأهالي متحابين كما كانوا».
دور البلدية
واللافت، بحسب ما أكّدت مصادر مطلعة لـ«الأخبار»، أن قوى الأمن الداخلي أوقفت العمل بالمشروع مراراً، لكن جبارة كان في كل مرة «يزبّط» الأمر ويواصل العمل! وفي 18 آذار الماضي، أصدر محافظ البقاع أنطوان سليمان قراراً بوقف العمل نهائياً بالمشروع، معللاً الأمر بأن «المخيم يخلّ بالتوازن الديموغرافي ومصدر للإشكالات في المنطقة».
الجمعيات الدولية
تمتنع عن دعم أي مشروع للبلديات ما لم يلحظ حصّة للنازحين!
رئيس البلدية يحيى ضاهر «ملوّع من الإعلام بسبب تضخيم موضوع المخيم»، كما يقول لـ«الأخبار». يؤكّد أن «لا علاقة للبلدية، لا من قريب أو من بعيد، بإنشاء المخيم». ولرفع المسؤولية عنها، يقول ضاهر إن البلدية «حرّرت مخالفة مالية بحقّ المخيم بسبب البناء من دون رخصة». ويشير إلى أن «القيمين على المخيم حاولوا الحصول على رخصة، لكن المنطقة تقع على طرف منطقة مصنّفة صناعية، ولا يمكن الحصول على رخصة لبناء سكن فيها».
في رأي ضاهر، «وجود المخيم أمر إيجابي للغاية بالنسبة الى البلدة». كيف؟ يشير إلى أن وجود المخيم في الجبل، سمح بمدّ شبكة مياه إليه، ما يعني وصول المياه إلى تلك المنطقة، «وبدأ الأهالي بتقديم طلبات لتزويدهم بشبكة للري من الخط، وبات في إمكان الناس أن تتردّد أكثر إلى الجبل وتهتم بأراضيها بعد أن صار مأهولاً»!
«لبنان سيتغيّر»!
كلام ضاهر «الإيجابي» يكشف في طياته عمّا هو أخطر من مجرّد مبانٍ سكنية بسيطة في خراج القرعون. يشير رئيس البلدية إلى أن الجمعيات الدولية، الحكومية وغير الحكومية، لم تعد تقدم أي مشروع إنمائي للبلديات ما لم يكن يلحظ حصّة واضحة للنازحين الموجودين في القرى! وتشترط الجمعيات أن تكون للمشاريع عائدات نفعية على وضع النازحين، كما على المواطنين اللبنانيين. ويؤكّد أن عدداً من البلديات يتعمّد إدخال النازحين من ضمن هيكلية المشاريع للحصول على التمويل من الجمعيات.
ما يقوله ضاهر يتقاطع مع ما يرد من الشمال وإقليم الخروب وعاليه، عن سعي واضح لدى الجمعيات العاملة على خطّ الإغاثة، وتحديداً التابعة للأمم المتحدة أو لدول غربية وخليجية، لتثبيت النازحين السوريين في مناطق محدّدة، في ظلّ غياب كامل لأجهزة الدولة اللبنانية ووزاراتها.
وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس لا يستبشر خيراً من المسار الذي تسلكه قضية النازحين في لبنان. يقول لـ«الأخبار» إن «الجمعيات المعنية بشؤون النازحين تفعل ما يحلو لها، في ظلّ خلافات كبيرة داخل مجلس الوزراء حيال الملفّ. فبين من لا يريد للدولة أن ترعى المخيّمات، ومن يرى أن إقامتها على الحدود مع سوريا قد يثير غضب دمشق بسبب إمكان تحوّلها معسكرات تهدد الأمن السوري، ومن يرى أن النازحين مقدمة لمشروع توطين جديد، لا إمكانية لتغيير المشهد، خصوصاً في ظل عجز الوزارة بسبب النقص في العديد والإمكانات». وعن التنسيق بين الدولة والأمم المتحدة، يؤكّد درباس أنه «في أدنى مستوياته»، ولا يوفّر الأجهزة الأمنية اللبنانية من الانتقاد، إذ إنها «غائبة عمّا يجري، ولا تقدّم إلى المعنيين معطيات كافية حول موضوع اللاجئين، ليشعر المسؤولون بالخطر الحقيقي القادم». «لبنان سيتغيّر»... يجزم الوزير.
حين يُسأل وزير الشؤون الاجتماعية السابق وائل أبو فاعور ونائب المنطقة عن «المخيم»، يجزم بأنه «مش على إيامي»، مع أن أعمال البناء بدأت مطلع كانون الثاني الماضي، أي في ظلّ حكومة تصريف الأعمال السابقة، فضلاً عن أن الحزب التقدمي الاشتراكي في المنطقة كان على علم ببناء المخيم.
النازحون السوريون في مخيم القرعون، كما غيرهم من النازحين في أماكن أخرى، لن «يأكلوا شقفة» من أرض بلاد الأرز. لكن هذه ليست القضية، إذ يعرّي ملفّ النازحين الانهيار الكامل الذي يصيب الدولة اللبنانية بكلّ مؤسساتها. والأنكى أن مشروعاً دولياً واضح المعالم، بتواطؤ خليجي على البنية السكانية في لبنان وسوريا معاً، يمرّ من أمام المسؤولين اللبنانيين، ويضيع في بازار المزايدة، بين عنصرية فاقعة حيال النازحين، واحتضان سياسي لهم، بعيداً عن الأخوّة والإنسانية!




«المخيم» للجماعة الإسلامية؟

تشير مصادر فاعلة في قوى 8 آذار في البقاع الغربي إلى أن للجماعة الإسلامية اليد الطولى في مسألة مخيم النازحين في القرعون. ولا تبني المصادر الكثير على مسألة «توطين» النازحين السوريين في البقاع أو لبنان بشكلٍ عام، لأن «النازحين سيعودون إلى سوريا بالتدريج في المرحلة المقبلة، والدولة السورية لن تقبل ببقاء هذا الملفّ على حاله». لكنّ المصادر تؤكّد أن «المخيمّ لا يضمّ نازحين سوريين بشكلٍ عشوائي، بل يجري اختيار العائلات فيه على نحو ممنهج». وترجّح أن يكون النازحون في المخيم عائلات مقاتلين بارزين ضد الجيش السوري. وتشير مصادر أخرى في 8 آذار إلى أن منطقة «الجبل العربي» سبق أن شهدت مطلع العام الجاري تدريبات عسكرية لمجموعات سلفية، على علاقة بـ «ن. م.»، من بلدة غزّة، والأخير قاتل في العراق ضد الجيش الأميركي. من جهته، يقول رئيس بلدية القرعون يحيى ضاهر إن البلدية تزوّد الأجهزة الأمنية بشكل دوري بتفاصيل أسماء اللاجئين وعناوينهم، وهي سلمت قبل فترة قرصاً مدمجاً كاملاً عن النازحين في البلدة الى فرع المعلومات. وبعد أحداث عرسال، «تفقّدت» استخبارات الجيش «المخيم».