من يحب روسيا أكثر من عضو اللقاء الأرثوذكسي سمير نعيمة؟ نقل الأخير همسه من أذن قايين إلى أذن هابيل (أو العكس)، بانتقاله من ماكينة المرشح عن المقعد الأرثوذكسي في الأشرفية ميشال تويني الانتخابية إلى ماكينة شقيقه المرشح عن المقعد نفسه نقولا تويني. «نقولا أكرم»، يقولون في الأشرفية.


يرتّل نعيمة: «روسيا أنت دولتنا المقدسة (...) روسيا أنت بلدنا الحبيب (...) أنت للشعوب الشقيقة اتحاد عريق». وفور انتهاء النشيد الوطنيّ الروسيّ، ينطلق السباق: رئيس جمعية الكشاف الوطني الأرثوذكسي الياس حاصباني يحب روسيا، وطبعاً رئيس الرابطة اللبنانية للروم الأرثوذكس نقولا غلام. كل من يستصعبون التحرك فوق كراسيهم بسبب تقدمهم في السن هم «جماعة الرابطة». أن ينسى نقولا تويني، الذي عرّف أمس عنه بوصفه ممثل عائلات بيروت الأرثوذكسية، لا ينسى وقوف القيصر الروسي مع أجداده ضد العثمانيين عام 1904 وضد مختلف المذابح التركية في المنطقة. أما رئيس بلدية أميون، جرجي بركات، فلا يذكر روسيا إلا ويتبعها بصفة عظيمة: «روسيا العظيمة ما تخلّت يوماً عن حبها لشعب لبنان». إلى جانب مجلس بلدية أميون، يرأس بركات «الجمعية الإمبراطورية الثقافية اللبنانية الأرثوذكسية»، ويتصبّب عرقاً أكثر من غيره لمجرد التفكير بالعائدات المادية للنوايا الروحية الروسية باستنهاض «الجمعية الإمبراطورية الروسية» التي كانت تعنى بمواجهة النفوذ العثماني سياسياً وتربوياً في المنطقة.
فعلت السفارة الروسية في بيروت، بدعوتها «الجمعيات الأرثوذكسية» إلى لقاء مع نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، ما لم تسبقها إلى فعله بهذا الوضوح المذهبيّ أية سفارة أخرى. ودل موعد اللقاء، في مطلع زيارة بوغدانوف التي تستمر حتى صباح الأحد المقبل، على أهميته بالنسبة الى السفارة، علماً أن حركة الشبيبة الأرثوذكسية كانت الفريق المدعو الوحيد الذي تغيّب بذريعة عدم مشاركتها في لقاءات سياسية.
في كلمته، كشف بوغدانوف عن جوانب لا تزال مخفية عن كثيرين في السياسة الروسية ودبلوماسيتها: «أنا نائب وزير الخارجية الروسية، وفي الوقت نفسه نائب رئيس الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية». الأمر الذي يبين حجم الترابط بين الموقف السياسي الروسي وشعور هذه الحلقة من الدبلوماسيين الروس بواجب ديني يحتم عليهم الالتفات إلى الشرق. فالجمعية التي تأسست عام 1882 كانت تعنى بمواجهة النفوذ العثماني في لبنان وسوريا وفلسطين والأردن جراء تيقّظ الإمبراطورية الروسية لخطر النفوذ العثماني في هذه المنطقة عليها، لكنها انسحبت مع حلول الانتدابين الفرنسي والبريطاني محل السلطنة في هذه الدول، وبلغ تراجعها حد التلاشي أيام الاتحاد السوفياتي . أما اليوم فعهد برئاستها إلى رئيس الوزراء الروسي السابق سيرجي ستيباشين الذي يرأس أيضاً ديوان المحاسبة الروسي، وتوحي تصاريحه بأن «استعادة ما خسرته روسيا» في المنطقة واجب وطني.
بصراحة توجه بوغدانوف إلى الحاضرين: «يجمعنا معكم إيمان موحد وغاية واحدة ورؤيا». لا يفهم غالبية الحاضرين اللغة الروسية التي يتحدث بها المسؤول الروسي. لكن بعضهم، مثل نقولا غلام وصلاح رستم وغبريال هرموش، يهزون رؤوسهم موافقين على ما يقوله قبل أن يترجم لهم المترجم. وحين يخطئ المترجم يصحّح بوغدانوف له وسط ضحك الحاضرين. في كلمته، لفت السفير الروسي السابق في اليمن الجنوبي ولبنان وسوريا وفلسطين المحتلة إلى قلق المجتمع الروسي (أولاً) والكنيسة (ثانياً) والقيادة (ثالثاً، بحسب تعداده) من خطف المطرانين في سوريا. وتعهّد إيصال ما سمعه إلى قيادته لإقناعها بتعزيز العلاقات، ليس فقط بين الجمعيات اللبنانية ومثيلاتها الروسية أو بين الجمعيات والكنيسة، إنما بين الجمعيات والسلك الدبلوماسي أيضاً.
في الفندق المطل على خليج سان جورج أو جاورجيوس، وهو قائد جند رومانيّ تعتبره الكنيسة الأرثوذكسية أحد قديسيها الرئيسيين، كان واضحاً في لقاء أمس مضي الدبلوماسية الروسية في إعداد أسس توطيد نفوذها في المنطقة بمعزل عن الآلة العسكرية في سوريا. وفي اعتقاد أحد المطلعين على تحركها أن الصداقات الروسية ــ اللبنانية كثيرة، لكن ما عاد يكفي الدولة الروسية توطيد علاقتها بحزب يدين بولائه النهائي إلى دولة إقليمية أو دولية أخرى. ولا بدّ من مجموعة خاصة تفهم الهواجس الروسية جيداً، وتعمل لمعالجتها بموجب الخطة الروسية أولاً وأخيراً. وهي هواجس أرثوذكسية قبل أي شيء آخر، أساسها الخشية من الحصار الإسلامي لموسكو.
في قاعة فينيسيا، توضحت ملامح «الحزب الروسي» في لبنان، بعدما باتت معروفة ملامح الأحزاب: السعودي والإيراني والسوري والأميركي. بدا واضحاً أن ثمة قوتين رئيسيتين يمكن النفوذ الروسي التعويل عليهما، هما «حزب المشرق» الذي يضم مجموعة شباب متحمسين يذكرون نسبياً بحركة الشبيبة الأرثوذكسية قبل نصف قرن ويرأسه رودريغ خوري، و«اللقاء الأرثوذكسي» الذي يضم غالبية المستوزرين والمستنوبين الأرثوذكس ويلعب المحافظ السابق نقولا سابا دور أمينه العام. قطف خوري لقطة اللقاء الأولى بدخوله القاعة برفقة بوغدانوف من دون أن يعرف ما إذا كانت تلك مصادفة أم أنه أتى برفقته فعلاً، فيما خطف سابا لقطة اللقاء الأخيرة بمنحه، معانقاً، الضيف الروسي أيقونة شفيعه رئيس الملائكة ميخائيل وهو يحمل بيمينه سيف العدل والإنصاف وفي اليسرى المسكونة. في كلمته، ذكّر سابا بالتاريخ الطويل من العيش المسيحي ــ الإسلامي في هذه المنطقة، مستذكراً «إسلام التسامح والرحمة والمحبة». وخلافاً لغيره ممن اكتفوا بالعموميات وإغداق الثناء، حدّد سابا مطالب اللقاء بتوفير منح جامعية للطلاب اللبنانيين في روسيا، وتوطيد العلاقات بين الكنيستين الروسية والأنطاكية، وتشجيع الدولة الروسية على شراء أرض كبيرة في بيروت لإنشاء مجمع كنسي تربوي روسي كبير. أما خوري فتميز عن سائر الخطباء بصوته الهادئ ولفظه الصحيح ورفعه عينيه عن ورقته باتجاه بوغدانوف بين نفس وآخر . ذكّر خوري بانتشار الأرثوذكسية في روسيا بعد إقناع «ميخائيل السوري» عام 988 «الأمير فلاديمير» بها، وشكر «فلاديمير الروسي» على إرساله عام 2013 «ميخائيل الروسي» إلى المشرق. وتفوّق خوري على نفسه وكل الآخرين في التودد إلى السفارة الروسية عبر الاستشهاد بزائر روسي للبنان كتب عام 1896: «إن حب السكان وأولادهم للروس يصل حد الجنون، وهناك صبيان يبدأون بالبكاء إذا شتم أحدهم الروس أمامهم»، من دون أن يوضح ما إذا كان هذا الروسي يوزع المال أو يجلس خلف مدفع حتى يحبه «السكان والصبيان» كل هذا الحب. بعد ذلك، تراجع خوري نصف خطوة إلى الوراء، معانقاً بعينيه عيني بوغدانوف قائلاً: «نحن هنا أيها الأحباء، أبناء أولئك الصبية وأحفادهم، ولكم أن تقدروا كيف تربينا وأية ذاكرة جماعية حملنا». يكاد السفير الروسي ونائب وزير الخارجية أن يبكيا لشدة تأثرهما. أما دموع الفرزلي فجاهزة لإثبات كلام خوري وتأكيده؛ اشتموا الروس وسيبكي دولة الرئيس.




بوغدانوف يدعو اللبنانيين إلى التوافق

استهل الموفد الرئاسي الروسي نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف لقاءاته في بيروت مع الرئيس أمين الجميل في بيت الكتائب، والتقى مساء رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط حيث تركّز البحث على الملف السوري.
وشكر بوغدانوف، بعد لقائه الجميل، لحزب الكتائب «موقفه من موضوع حماية المسيحيين الذين يعانون من ازمة صعبة في المنطقة حالياً». وأشار الى ان «لقاءاته في لبنان ستتطرق الى كل المسائل والمشاكل في المنطقة»، موضحاً ان اللقاءات يفترض ان تجمعه مع نواب ورؤساء كتل من القوى المختلفة بالاضافة إلى الرؤساء. واشار الى مدى تعقد الوضع الراهن عموماً، داعياً على هذا الاساس «اصدقاءنا في لبنان للبحث عن الحلول المشتركة والاتفاق في ما بينهم».
من جهته، أعلن الجميل انه «تم طرح موضوع عقد مؤتمر دولي للنازحين في بيروت»، مشيراً الى موقف ايجابي صدر عن بوغدانوف في هذا الخصوص.
واعتبر بوغدانوف، خلال لقائه عددا من الجمعيات الارثوذكسية في فندق فنيسيا، ان «عملية اختطاف المطرانين بولس اليازجي ويوحنا ابراهيم في سوريا جريمة كبيرة والجميع في روسيا قلقون منها»، معلنا «اننا نبذل الجهود كافة لاطلاق سراح المخطوفين وحل الازمة القائمة في سوريا». وتستمر زيارة بوغدانوف حتى صباح الاحد المقبل حيث يعقد مؤتمراً صحافياً في السابعة والنصف صباحاً في مطار بيروت قبيل مغادرته الى عمان.