تونس | منذ اشتعال ثورة البحرين عام 2011، وصفت بـ«الانتفاضة البكماء» بعدما حُرمت من صوتها وصورتها في الإعلام، خصوصاً مع التعتيم الذي فرضته الفضائيات الإخبارية، لا سيما الخليجية منها. كانت «المنار» من بين منابر إعلامية قليلة تصدّت لنقل الوحشية والممارسات التي تعرّض لها المتظاهرون السلميّون على يد النظام. لكن بما أنّ البوادر الأولى لأي «صفقة» سياسية تُترجم في لغة التخاطب الإعلامي، يبدو أنّ قناة «المقاومة» ستعيد تموضعها حيال تعاطيها مع الانتفاضة السلمية. الحديث الآن يدور عن «تأثر الاعلام القريب من إيران» بالتسوية الإيرانية ــــ الخليجية التي تظهر مؤشراتها كملحق للاتفاق الإيراني ــــ الغربي.


وهو ما ترجم أيضاً بميل لقناة «العالم» الايرانية الناطقة بالعربية إلى تقليص حجم تغطيتها للحدث البحريني... والنتيجة الاولى هي الإعلان عن اعتذار تقدمت به قناة «المنار» من حكومة البحرين عن تغطيتها للأحداث هناك، والثمن، إبقاء البث الفضائي لقناة المقاومة!
حالة من الذهول سادت كواليس «المنار» في بيروت. الموظّفون كغيرهم تلقّوا الخبر من الإعلام: أوّل من أمس، خلال انعقاد الجمعية العمومية للمجلس التنفيذي التسعين لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية» في تونس، بحضور جميع الدول العربية الأعضاء والهيئات الإذاعية والتلفزيونية، قدّمت «المجموعة اللبنانية للإعلام» (قناة «المنار» وإذاعة «النور») «اعتذاراً رسمياً» إلى «هيئة شؤون الإعلام في البحرين» بخصوص «تغطيتها لأخبار البلاد في الفترة السابقة»، مؤكدةً «التزامها باعتماد الموضوعية في تغطيتها لأخبار الدول العربية». ونتيجة لهذا القرار، سحبت مملكة البحرين طلبها تجميد عضوية قناة «المنار» و«إذاعة النور» في «اتحاد إذاعات الدول العربية».
كل هذه الوقائع أكّدها مصدر مسؤول في الأمانة العامة لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية » (مقرّه تونس) لـ«الأخبار»، مشيراً إلى أنّه على اثر اجتماع الجمعية العمومية للاتحاد يوم السبت، تلا المدير العام للاتحاد صلاح الدين معاوية بيان اعتذار «المجموعة اللبنانية للإعلام» أمام الجمعية. وقرّرت الأخيرة تكليف معاوية نفسه «بمتابعة تنفيذ الالتزام الوارد من المجموعة اللبنانية للإعلام في البيان، وتفويضه باتخاذ اي إجراء في حق المجموعة في حال العودة إلى المخالفات وعدم التزامها بالمهنية الإعلامية وبميثاق الشرف الاعلامي والمعاهدات والمواثيق الدولية المعمول بها في مجال الاعلام، وذلك دون الرجوع الى الجمعية العمومية».
جاء ذلك بعدما كانت مملكة البحرين قد طلبت قبل أشهر تجميد عضوية «المجموعة اللبنانية للإعلام» في الاتحاد ومنع بث «المنار» و«النور» على قمري «عرب سات» و«نايل سات» خلال اجتماع «مجلس وزراء الإعلام العرب» في القاهرة، فأحال المجلس الطلب على الجمعية العمومية لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية» التي تملك السلطة العليا في اتخاذ القرارات.
الاعتذار الذي تلاه المدير العام للاتحاد نشرته «وكالة أنباء البحرين الرسمية» الذي تعهدت فيه «المجموعة اللبنانية للإعلام» بـ«اعتماد الموضوعية في تغطيتها لأخبار الدول العربية وما يجري فيها من أحداث، واحترامها للمعايير المهنية». كذلك تضمن البيان «حرص المجموعة على إجراء التقييم الدوري لسياستها التحريرية لتتناسب مع المواثيق والمعاهدات الدولية والمهنية المعتمدة، وتصويب ما يخرج عن هذا الإطار، والعمل على حفظ العلاقات الطيبة مع كل الأشقاء العرب، لا سيما مملكة البحرين».
ووصفت مصادر مشاركة في الاجتماع اعتذار «المنار» بأنّه «حلّ نزاع» للأزمة مع حكومة البحرين، على اثر وساطة قادها مدير العام الاتحاد الذي شدّد أمام الجمعية «على ضرورة التعاون المشترك بين كافة الأعضاء في الاتحاد، وعلى حلّ وتسوية النزاعات والخلافات بالطرق التي تحفظ احترام المعايير المهنية، والعمل على حفظ العلاقات الطيبة بين كل الأشقاء العرب».
لكن يبدو أن الأزمة بين البحرين و«المجموعة اللبنانية للإعلام» لا تقتصر على أداء «المنار» فحسب، بل تتعدّاه إلى الموقع الالكتروني للمحطة الذي رفع من سقف الهجوم على نظام البحرين. لكن قبل نحو خمسة أشهر، بدأت السياسة التحريرية تتغيّر في الموقع الالكتروني وفق ما يقول مصدر لـ«الأخبار». هكذا، برزت بوادر هدنة مع النظام البحريني، عبر إعطاء مساحة أكبر لأخبار السلطة، فرفع الموقع شعار «لا للاستفزاز» (عبر المواضيع). كذلك ركّز على نشر مقالات تدعو إلى التسوية، وتركّز على المبادرة الوطنية لخروج البلاد من الأزمة. كذلك جمّدت بعض المواد الصحافية التي تهاجم السلطة بحسب مصادر في الموقع.
ورغم أن بيان اعتذار «المنار» يتضمن اعترافاً واضحاً بتجاوز الموضوعية والمهنية في أدائها، إلا أنّ مصدراً إدارياً من القناة حضر اجتماع تونس أكّد أنّ المحطة لم ترتكب أي تجاوزات، لكن «الاعتذار يأتي في سياق تسوية وصلح، كي لا تأخذ الأمور أبعاداً سياسيّة». ولفت إلى أنّ «فريق 14 آذار هو من عمل على تضخيم الموضوع مع جهات بحرينية، لإعطائه حجماً أكبر من حجمه الحقيقي، وأن ما جرى هو تسوية مع البحرين على خلفيّة شكوى قدمت إلى مجلس وزراء الإعلام العرب». ويضيف المصدر أنه لن يكون للأمر انعكاس مباشر على أداء «المنار»، بل «مجرد التزام أكثر بقواعد المهنيّة، وهذا يستدعي تشديداً أكثر في السياسة التحريريّة داخل القناة». وعن الحديث عن تسويات إقليمية انعكست على أداء «المنار» في البحرين، أجاب بأنّ «هذا موضوع إعلاميّ بحت، لا نريد أن تدخلوه في السياسة، كما أن «المجموعة اللبنانية للإعلام» مؤلفة من مؤسستين إعلاميتين تتخذان قراراتهما بنفسيهما»، مشيراً إلى حرصه «على الفصل بين الموضوعين الإعلامي والسياسي».




بيان التبرؤ

لم يتأخر حزب الله في حسم الجدل الذي اثارته موافقة مدير قناة «المنار» عبد الله قصير على تقديم اعتذار الى السلطات البحرينية. وبعد مداولات اخذت في الاعتبار ردود الفعل المنددة بما صدر عن ادارة القناة في اجتماعات الاتحاد العربي للاذاعات في تونس، اتخذت قيادة حزب الله قراراً بالتبرؤ من الخطوة. وبعدما عرض الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله ان يطل مباشرة على شاشة التلفزيون ويقدم اعتذاره لشعب البحرين عن هذا الخطأ، اتفق على اصدار البيان الاتي:
«تعليقاً على ما تداولته وسائل الإعلام من موقفٍ لإدارة المجموعة اللبنانية للإعلام في إجتماع الجمعية العامة لاتحاد إذاعات الدول العربية المنعقد في تونس يؤكد حزب الله على ما يلي:
أولاً: إن الموقف الذي إتخذه الوفد الممثل لإدارة المجموعة اللبنانية للإعلام كان تقديراً خاصاً منه، لم تتم مراجعة قيادة حزب الله فيه.
ثانياً: إن موقفنا الداعم والمساند لقضية الشعب البحريني المظلوم لم يتبدل ابداً، ونحن نعتبر أن الظلم الذي مارسته السلطات البحرينية بحق شعبها كبير وما زال قائماً في حرمان الشعب البحريني من حقوقه البديهية في حق المشاركة السياسية.
ثالثاً: إن الذي يجب أن يتوجه اليه الاعتذار هو الشعب البحريني نفسه الذي ابدى صبراً وتحملاً قلّ نظيرهما لأكثر من سنتين ونصف وهو يعاني القمع وكل أنماط التعسف من قبل السلطات الحاكمة التي لن ينفعها كل محاولات الضغط لكمّ الأفواه وإسكات صوت الحق بل اننا نعتبر أن وسائل الإعلام مقصرة في بيان مظلومية الشعب البحريني الشريف.
رابعاً: إن التهديد والتهويل والإتهام الظالم الذي تمارسه السلطات في البحرين بحق كل من يقف إلى جانب الشعب البحريني وقضيته العادلة هو دليل إضافي على عجز السلطات الحاكمة وعدم قدرتها على محاورة شعبها».