لم يكد يتأكد نقولا الصحناوي أن نبأ تربعه على وزارة الاتصالات أصبح واقعاً حتى فاقت سرعة التوتر في شرايينه الثمانية ميغابيت. كان من الضروري، لمن لا يعرف عن تلك الوزارة أكثر من أي مواطن، أن يمسك طرف خيطها من مكان ما. اقتصرت خطته يومها على بندين: «تأجيل مسألة التسليم والتسلّم والاستفادة من خبرات زميلي وشاغل الوزارة قبلي الوزير شربل نحاس». عاد الصحناوي الى مقاعد الدراسة ليتتلمذ على يدي نحاس، الذي كان يمضي أياما بأكملها يشرح لخَلَفَه ملفات الوزارة. ضاق الوقت وضاقت ساعات الدراسة حتى باتت تقتصر على خمس ساعات يومياً، ثم ساعتين. حرص نحاس على العودة بابن الأشرفية الى تاريخ الوزارة ومشكلاتها منذ إعلان لبنان الكبير. وبعد عشرة أيام، يقول صحناوي مبتسماً، «كنا بعدنا بالأربعينات عندما مازحت زميلي طالباً منه العودة الى وزارته (أي وزارة العمل يومها)، وأنا بشوف شو بدي أعمل...».


تمكن الصحناوي، بعدها، عبر قراءته للملفات والتقارير من الدخول الى «المهنة»، وساعده على ذلك فريقه الشخصي الذي يضمّ أصدقاء مقربين ورفاق نضال ممن يعملون في وظائف تعنى جميعها بالقطاع ومتفرعاته.
تمكن الوزير والمرشح عن المقعد الكاثوليكي في دائرة بيروت الأولى وزميله المرشح عن المقعد الأرثوذكسي في الدائرة عينها زياد عبس، بفضل وزارة الاتصالات، من احكام سيطرتهما على الأرض التي كان يمسك بها النائب ميشال فرعون بدعم من تيار المستقبل. لعب الثنائي في ملعب فرعون التوظيفي والخدماتي، فتمكنا من لجم نفوذه ومزاحمته على الطبق نفسه. يفتح عبس حاسوبه ليقرن أقواله بالدلائل. يشير الى لائحة من الأسماء قائلا: «هنا لائحة البريد الالكتروني لكل شركات القطاع الخاص الدائرة في فلك الاتصالات». يستدير مجددا نحو المكتب ليمسك رزمة من الأوراق: «وهذه سير ذاتية لكل الذين يرغبون بوظيفة من سكان الأشرفية أو خارجها بمن فيهم أنصار التيار الوطني الحر طبعا. بعد جمعها وادخالها الى الحاسوب، نقوم بارسالها الى شبكة معارفنا في القطاع الخاص، التي ترسل الينا بعد الاطلاع على بريدنا حاجتها منه. هذه ليست خدمة مقابل خدمة بل نفوذ قوي لنا لدى أصحاب شركات يتعاملون مع الوزارة على نحو شبه يومي ويحتاجون إلى مساندتنا»، لكن من هي شبكة المعارف تلك؟ اللائحة تطول، من موزعي بطاقات تشريج الخلوي الى وسائل الاعلام من تلفزيون وغيرها، وصولا الى سنترالات الاتصال ومزودي الانترنت وأصحاب الستالايت وغيرهم الكثير. ويهم عبس أن يلفت هنا الى أن تلك الوظائف محصورة في القطاع الخاص ولا شأن لها بالادارات العامة ووظائف الدولة: «وظائفنا ليست داخل الدولة ولا في أماكن لا تناسب طالبيها ولا بالقوة أو عبر وضع أشخاص غير مناسبين أو أكفاء، بل وفقا لقدرات كل فرد وفرص عمل الشركات المتاحة». في النتيجة من يبحث عن وظيفة اليوم، وخصوصاً من أبناء الأشرفية، يقصد مكتب عبس قبل أي مكتب آخر.
في مقابل تلك الخدمات التوظيفية، تأتي تسهيلات الوزارة. معروف أن وزارة الاتصالات هي احدى أكثر الوزارات أهمية وسيادية في الحكومة. لكن لا أحد يمكنه تخيل نفوذها وأخطبوطيتها، ففضلا عن تعاون الصحناوي وعبس مع زملائهما العونيين في وزارات الطاقة والثقافة والعمل، لإضافة المزيد من الإنجازات الخدماتية الإنمائية، يطلب وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور، على سبيل المثال، تسهيلا لأحد الأشخاص في وضع عمود ارسال فوق منزله، فيلبى طلبه فوراً، وطلب آخر لوزير التربية حسان دياب وطلب ثالث لوزير ثالث، ما يسهل للصحناوي توفير طلبات قاصديه في هذه الوزارات أيضاً. زد على ذلك أن ابن الأشرفية، بخلاف ابن كسروان أو الأقضية الباقية، يشعر اليوم بأن مشكلاته باتت سهلة الحل، أكانت تدور في فلك الاتصالات أو غيره، وما عليه سوى التوجه الى مكتب عبس قرب كنيسة السيدة لايجاد الحل المناسب. يشمل ذلك كل ما يعنى بأمور بلدية بيروت، التي يرتدي معظم أعضاء مجلسها البزة الزرقاء، وبالتالي يفترض أن تكون أقرب الى فرعون منه الى ثنائي الأشرفية، لكن تمكن الأخيران من اللعب على خلاف محافظ بيروت ورئيس البلدية لنيل مبتغاهما من المجلس ولو كره أعضاؤه ورئيسه.
هكذا سحب صحناوي وعبس، خلال العامين المنصرمين، بساط الأشرفية من تحت رجلي فرعون، الذي كان يفوز سابقا وفقا لوسيلتين: المال والخدمات. فرغم أنه حمل لقب «وزير دولة» من دون حقيبة، إلا أنه كان يقضي نهاراته حاملا حقيبة طلبات ناخبيه من وزارة الى أخرى ببطاقة مرور حريرية غير محدودة الصلاحية. يومها كان تيار المستقبل في عزّ قوته والمال السياسي يغدق على الحلفاء من كل حدب وصوب، لكن بعد عام 2005، بدأ نفوذ فرعون يتضاءل حتى بات في 2013 مجرداً من لقب الوزير والحقيبة. فضلاً عن بدء التيار الوطني الحر، منذ عامين، بالعمل جديا للسيطرة على دائرة بيروت الأولى مستفيداً من انحسار شبكة علاقات فرعون في الوزارات وكسل مجلس بلدية بيروت وأيضا تربع التيار على سقف وزارات خدماتية بامتياز. «اليوم هناك سوبر وزير في وزارة الاتصالات التي تمر بها تقريبا كل مفاصل الدولة اللبنانية والقطاع الخاص، وهو يؤدي دورين بالتوازي: شاب يحاكي الشباب، ومرشح يلبي كل الخدمات»، يقول المرشح زياد عبس. والشريحة الكبيرة من أبناء الأشرفية ذات الرأي المستقل التي صوتت سابقا لمصلحة فرعون ونايلة تويني ونديم الجميل خوفا من «تشادور» حزب الله، كانت غالبا ما تتأثر بالخدمات والعاطفة. «اليوم تقابل خدماتنا خدماتهم، وتشادور حزب الله دحضته عباءة داعش». أما الصحناوي، فيشير الى أن «تعبئة زياد لفراغ التيار الانتخابي الأساسي من خلال مكتب خدماته ووجوده الدائم على الأرض، اضافة الى عمل مدير مكتبي روجيه حداد، أسهما في حصولنا على ماكينة انتخابية هائلة... وتلك الماكينة لا تقاس قيمتها اليوم بل نهار الانتخابات».
لا يشبه الصحناوي وطريقة عمله في وزارة الاتصالات زميليه جبران باسيل وشربل نحاس في شيء. لا هو مهندس ولا خبير اقتصادي أو ما شابه. يعمل وفق قدراته الخاصة وميزاته: «أفهمت أعضاء فريقي بأنهم هم الوزراء لا أنا». في عهد باسيل وشربل، كان السعي لافادة التيار عبر اصلاحات جذرية في القطاع، يستفيد منها كل المواطنين على اعتبار أن خفض تكلفة الاتصالات أو غيرها ستنعكس ربحاً انتخابياً صافياً. أما الصحناوي، وبدعم من عبس، فجاء ليقول ان هذه الاصلاحات «لا بد منها للمنادين بالاصلاح والتغيير، لكنها لا تكفي لكسر منافسينا اذا ما واجهناهم بسلاحهم وألحقنا عملنا الوزاري بعمل انتخابي وخدماتي مباشر على الأرض وبين الناخبين». لذلك، خلافاً للأقضية الباقية، تمكن ثنائي الأشرفية من حماية ربحه السياسي بشبكة أمان تضمن وصول هذا الربح الى صناديق الانتخاب. وربما ذلك يفسر نقمة فريق 14 آذار على وزارة الاتصالات وانتقال القضية من المطالبة باقالة باسيل الى المطالبة بإقالة الصحناوي.




الحريريون ينتظرون ونديم يحب «ميكي ماوس»

منذ تأجيل الانتخابات النيابية وشح الدفق المالي، باتت مواعيد فتح مكتب النائب ميشال فرعون واغلاقه تضيّع قاصديه. لا همّ الآن، سيعيد فتح أبوابه بانتظام عند اقتراب الاستحقاق. ما سبق ليس بجديد، هذا فرعون وهكذا يضمن اعادة انتخابه دائما. يجبره عيد الميلاد على تنظيم حفل للأطفال، فيظهر مجددا موزعا الهدايا في «بيال» تيار المستقبل. النائبة نايلة جبران تويني، بعكس فرعون، لم تفسد يوما ناخبيها بالخدمات والهدايا، لا في الميلاد أو غيره. هي فقط تترشح كل أربع سنوات. حريريا الأشرفية، النائبان سيرج طورسركيسيان وجان أوغسبيان، لا يسعهما نشر بهجة الميلاد أو أي بهجة أخرى. سعد الحريري واضح في ما يقول لهم، لا فرحة الا بعودته عبر مطار دمشق الدولي. الاثنان في الانتظار، ثم إن الوضع المادي لا يسمح بـ «البهورة». وحده نديم الجميل يتمايز عن أصحاب المعالي بوقوفه الى جانب أهالي الأشرفية، فيحرص على السهر في الجميزة لا جونية أو جبيل. وللجميل عرف تقليدي في أعياد الميلاد يسمى الـ parade. في كل عام، تقوم مؤسسة بشير الجميل بإلباس بعض موظفيها، اضافة الى فريق مكتب نديم، شخصيات كاريكاتورية للتجول في شوارع الأشرفية وتسلية الأطفال وتوزيع الهدايا. غالبا ما لا يظهر نديم علنا خلال هذه المناسبة. هناك من يقول إن سعادته معجب بشخصية ميكي ماوس، وميكي يتجول في الأشرفية، لذلك لا تطالبوا برؤية نديم...

يمكنكم متابعة رولا إبراهيم عبر تويتر | @roulaibrahim