في المرة الاخيرة التي اجتمع فيها دروز لبنان وسوريا وفلسطين، كانت دمشق هي الحاضن. حينها وقف النائب وليد جنبلاط في قاعة قصر المؤتمرات، وحرّض الوفد الآتي من اراضي العام ١٩٤٨ على رفض انخراط الشباب الدروز في قرى الكرمل والجليل في الخدمة الالزامية في الجيش الاسرائيلي. منذ ذلك اللقاء اليتيم في ايلول عام ٢٠١٠، استدارت بوصلة جنبلاط مرات عدة. وبعدما شكل هذا اللقاء ترجمة عملية لما سمي «الانتقال التدريجي إلى المربع السوري بعد الطلاق مع قوى ١٤ آذار»، تصاعد الموقف الجنبلاطي من الاحتجاجات التي اندلعت في سوريا في ١٥ آذار ٢٠١١، الى ان اعلنها صراحة اول من امس، عبر دعوته الشباب الدروز في الجيش العربي السوري الى «رفض الاوامر العسكرية بقتل اخوانهم». وفي الوقت عينه، توقفت دعوات جنبلاط الى رفض التجنيد الاجباري في الجيش الاسرائيلي، علماً ان النيابة العامة الاسرائيلية قدمت الشهر الماضي لوائح اتهام بحق ١٦ شيخاً درزياً أبرزهم الشيخ علي معدي على خلفية الزيارات التي قاموا بها للبنان وسوريا في السنوات الماضية، وتحريضهم الشباب على رفض الخدمة في الجيش الاسرائيلي.

قد يكون من المبكر الحكم على مدى تلبية الشباب الدروز في قرى السويداء وريف دمشق لنداء جنبلاط. لكن المعادلة التي حكمت الدروز على امتداد تاريخهم السياسي تبدو شديدة الواقعية في الحالة السورية.
«الحفاظ على الارض والعرض» شعار يتمسك به الدروز في الدول التي يعيشون فيها. وإسقاط هذه المعادلة اليوم يعني، ببساطة، ان دروز سوريا لن يحملوا السلاح الا بوجه من يخرق هذه المعادلة.
ورغم ان الكثيرين حاولوا التقليل من اهمية الخطاب العنصري ضد الدروز الذي القاه الشيخ عبد السلام الجليلي في قرية الحراك في درعا في بداية الاحتجاجات، إلا ان هذا الخطاب عكس واقع العلاقة المأزومة التي كتمها النظام بين الدروز والعديد من المكونات الاجتماعية لقرى حوران، لا سيما البدو. وقد خاض هؤلاء مواجهات مسلحة مع الدروز، على خلفية الصراع على الاراضي. ووصلت المواجهات إلى ذروتها في السادس من تشرين الثاني 2000، أي في الأسابيع الأولى من حكم الرئيس بشار الاسد. وحينذاك، اضطر الجيش السوري الى شن حملة امتدت أشهراً.
حتى اليوم، لم تكشف أي معلومات عما إذا كان جنبلاط سيترجم نداءه بخطة عملية من قبيل ايفاد مشايخ مقربين منه الى سوريا، تحت ستار زيارات دينية، لمحاورة «سُوّاس» المجالس في القرى الدرزية واقناعهم بالعدول عن موقفهم.
وفي تقرير بعنوان «تحذيرات من تهجير دروز سوريا جراء مزايدات جنبلاط وارسلان ووهاب»، نقلت جريدة «السياسة» الكويتية عن «شخصية درزية سورية في باريس مقربة من إدارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وتدعم الجيش السوري الحر مادياً»، وصفَها نداءات النائب جنبلاط الى الجنود الدروز بـ«السخيفة».
وفي بيروت، علّق النائب طلال إرسلان على دعوة جنبلاط الجنود السوريين الدروز الى عصيان الاوامر بالقول «ان موقف دروز سوريا ليس طائفياً مذهبياً».
بدوره قال الوزير السابق وئام وهاب في اتصال مع «الأخبار» انه «لا يجوز جلد دروز سوريا بهذه الطريقة وهذا يعرضهم لخطر كبير». واضاف: « لم تسجل حالة فرار واحدة لدرزي من الجيش، وهذا دليل حس وطني ورجولة».
وعلى الرغم من ترويج جريدة «النهار» قبل أشهر ان عدد القتلى الدروز في الجيش السوري يزيد على المئة، تشير احصاءات «مركز توثيق الانتهاكات في سوريا» الذي يشرف عليه ناشطون في «لجان التنسيق المحلية» المعارضة، الى ان العدد الاجمالي للعسكريين القتلى من السويداء بلغ حتى يوم امس ٣١ قتيلاً. وتظهر احصائية أخرى لناشطين نشرت في موقع فايسبوك ان العدد بلغ 45 قتيلاً.
وتؤكد معلومات ميدانية لـ«الأخبار» ان القرى الدرزية في السويداء التي تقع على تماس مع القرى السنية في درعا ومع الحدود الاردنية شهدت في الآونة الاخيرة ظاهرة «اللجان الشعبية»، إذ يؤدي الشبان حراسات ليلية تحت شعار «الحماية من الغرباء»، والحال نفسها، ولكن بوتيرة أقل، في منطقة ريف دمشق. وتفيد المعلومات بأن المعطيات التي قدمها الشبان الدروز المدنيون حول عمليات تهريب السلاح ساهمت في كشف عملية تهريب كبيرة في منطقة وادي سرحان.
قبيل اندلاع احتجاجات درعا بأيام، قام الرئيس الأسد في الثاني عشر من آذار، بزيارة مفاجئة وغير رسمية وبدون مواكبة الى السويداء. صورة الرئيس ضاحكاً، والمحمول من أحد المشايخ الدروز، والتي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة، رسخت الانطباع بأن الرئيس الأسد هو الحامي للأقليات.
هذا لا يعني ان السويداء بقيت بعيدة عن الاحتجاجات، إذ شهدت المحافظة سلسلة من التحركات في عدة مناطق، إلى جانب المشاركة النشطة للشباب الدروز في المهجر في الحركات الاحتجاجية.
وعلى عكس ما يروج له الناشطون المعارضون في السويداء منذ بداية الاحتجاجات من انهم اصطدموا «بظاهرة الشبيحة»، فإن الوقائع الميدانية تؤكد أن مشايخ الدين الدروز كانوا رأس الحربة في رفض الاحتجاجات ومنعها بالقوة.
وتعود أولى الاحتجاجات إلى السابع والعشرين من آذار، حين قام نحو ثمانين محامياً باعتصام نقابي، طالبوا فيه الرئيس بالإصلاح وإطلاق الحريات ومحاسبة المسؤولين. وفي التاريخ ذاته، انطلقت اعتصامات اضاءة الشموع في قرى درزية عدة. لكن القرار كان واضحاً من قبل رجال الدين في هذه القرى، ويقضي برفض هذه التحركات التي اقتصرت على عشرات الاشخاص.
وفي الرابع عشر من نيسان شهدت ساحة السرايا أمام مبنى المحافظة في السويداء تحركاً احتجاجياً، وتلتها تظاهرة يوم الاستقلال في القريا، مسقط رأس قائد الثورة السورية سلطان الأطرش، أسفرت عن اصابات. وبعدها بيومين شهدت مدينة شهبا تحركاً شارك فيه المئات على خلفية تكسير صور لسلطان الأطرش، علماً ان خلفية هذه الاعتداءات لا تزال غامضة لكونها جاءت في مصلحة المحتجّين، إلا أن شرائط الفيديو تظهر أن حركة الاعتصامات المتنقلة نشطت في شهبا خلال الاسابيع الماضية وبينها اعتصام للمطالبة باطلاق سراح الناشط مهران الطويل الذي افرج عنه اول من امس.
في المقابل، لا يكاد يمر أسبوع من دون أن تشهد القرى الدرزية تجمعات ولقاءات تعلن الوفاء للرئيس السوري وتؤكد على الوحدة الوطنية. آخر هذا اللقاءات كان اول من امس بالتزامن مع الدعوة التي اطلقها جنبلاط الى الشباب الدروز برفض الاوامر العسكرية. وعقد هذا اللقاء في قرية عرنة في جبل الشيخ، بمشاركة مفتي الجمهورية أحمد بدر الدين حسون والمطران موسى الخوري المعاون البطريركي للروم الأرثوذكس، وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز حمود الحناوي والمئات من رجال الدين الدروز. وأطلق اللقاء رسالة واضحة «إلى المتلونين في مواقفهم وفق الظروف، الحالمين بزعامات لدويلات عرقية طائفية، (تفيد) بأنهم لا يمثلون إلا أنفسهم»، على حد قول عصام الشعلان، مختار الجولان السوري المحتل.