قبل أقل من أسبوع على موعده، الأحد المقبل، يجري الاستفتاء العام على الدستور السوري الجديد على نار حامية، تضع الرئيس بشّار الأسد أمام امتحان شعبيته، بمقدار امتحان القوة الذي لا يزال يختبره بوطأة، ويعبر به منذ أواخر الشهر الماضي، وهو الحسم الأمني ضد معارضيه المسلحين. ولا يقل الخوف على الاستفتاء عن الخوف على المسار الذي يسلكه الخيار الأمني، إذ لكل منهما نتائج محفوفة بالأخطار تطاول الرئيس ومعارضيه على السواء، من دون أن يتبيّن فعلاً هل أن كلاً منهما ـــ على حدة أو معاً ـــ من شأنه أن يقود البلاد إلى تسوية سياسية تجنّبها الفوضى، قبل أقل من شهر على الاحتفال بالسنة الأولى حرباً في سوريا.

ويتعامل الرئيس السوري مع الحسم الأمني والاستفتاء كرأس جبل الإصلاح للانتقال بسوريا من نظام إلى آخر، على أنّ كلاً منهما مكمّل للآخر .لا الحسم الأمني وحده يعيد إليه سوريا النظام والحزب التي فقدها نهائياً في 15 آذار الماضي، ولا الإصلاح وحده يكفل استعادته الاستقرار والأمن. وهو بذلك يعوّل على معطيات منها:
1 ـــ يوماً بعد آخر تتأكد حاجة الحسم الأمني إلى مزيد من الوقت، بل إلى وقت طويل ربما، من أجل أوسع سيطرة على البلاد وتفكيك استيلاء المسلحين على مدن وقرى يتصل بعضها ببعض. وتقترن الحاجة إلى الوقت بإشعار الجيش باستنزاف مُضاعف في قدراته، رغم تيقن القيادة من تماسكه وولائه للرئيس. بعد أكثر من أحد عشر شهراً من النزاع الداخلي المسلح أوشك أن يكون حرباً أهلية، لم تساور الرئيس، ولا ضبّاطه الكبار في الجيش والاستخبارات الذين يمسكون بالإمرة والمواقع والقواعد، شكوك في هزّة عميقة تضرب هذا التماسك أو تخلخل بناه على الأقل. ولم يكشف المنشقّون بدورهم أنهم نجحوا في الأشهر الستة المنصرمة، مذ أعلنوا الجيش السوري الحرّ، في تفكيك المؤسسة العسكرية الأكثر صلابة ومراساً في تعاطي السياسة. بل أظهر الجيش السوري الحرّ أنه لا يعدو كونه يأمر صنفين من عديده هما الضبّاط والجنود المنشقون أو الفارّون والمسلحون الذين دخلوا في عدادهم. فإذا به ميليشيا هي الأضعف بعد التيّارات السلفية والإخوان المسلمين.
لم يُتح للجيش السوري، على مرّ حقب استيلائه على السلطة في سوريا منذ عام 1949، أن يعمّر في حكم واحد بلا انقطاع أكثر من أربعة عقود كما في ظلّ الأسد الأب ثم الابن، وأن لا يجبه انقلابات عسكرية من داخله، وأن يجعل حزب البعث واجهة السياسة والاستخبارات واجهة الأمن. ولعلّ المفارقة في أن حزب البعث مات عجوزاً قبل أن يبدو أنه قُتِل. منذ انفجرت الاضطرابات، لم ينظم الحزب تظاهرة واحدة في أي مدينة أو بلدة رفع فيها أعلامه وشعاراته، بل اقتصرت شعارات التظاهرات الموالية للرئيس على صوره ودعم الجيش الذي يخوض معركة الدفاع عن الرئيس والنظام.
وهكذا مرّ إلغاء المادة الثامنة، في النصّ في أحسن الأحوال، بحدّ أدنى من المناقشات والانقسامات داخل القيادة السورية.
2 ـــ استناداً إلى ما يعكسه المسؤولون السوريون الكبار، فإن غطاء موسكو للحسم العسكري ليس مطلقاً ولا متفلتاً، بل محكوم بضوابط رسمتها للرئيس السوري، وهي تدعم وجهة نظره بالحسم والتخلّص من معارضيه المسلحين وإعادة سيطرته الكاملة وبالقوة على بلاده. وتكمن هذه الضوابط في الطلب منه عدم استخدام سلاح الجوّ والمدفعية الثقيلة في ضرب المسلحين، تفادياً لمزيد من الضغوط التي تتعرّض لها روسيا، كما الصين، من المجتمع الدولي والرأي العام الدولي حيال عنف غير مسبوق في موجة «الربيع العربي» التي طبعها العنف. وباستثناء تونس، الأدنى كلفة، كان العنف سمة إطاحة رؤوس أنظمة مصر وليبيا واليمن، من دون تمكين الدول الثلاث هذه من استعادة الأمن والاستقرار حتى الآن.
3 ـــ على وفرة الضربات القاسية التي ألحقها بها الجيش، إلا أن المعارضة المسلحة نجحت بدورها في توفير أوسع بؤر عنف متنقلة بين مدينة وأخرى، وريف وآخر، بغية إنهاكه وتحريك الجبهات معه، وتطويل أمد الحسم لاستدرار مزيد من التعاطف الدولي ضد نظام الأسد.
في الواقع، واستناداً إلى جهات واسعة الاطلاع على موقف القيادة السورية، لم يعد في وسع الرئيس السوري تجاهل صنف آخر من الضغوط لم يكن قد جبهه في الأشهر المنصرمة من الأزمة، وهو القلق المتنامي الذي أخذ يسود طبقة المتموّلين ورجال الأعمال والمال والواسعي النفوذ في الاقتصاد والتجارة والعلاقات الخارجية، الأكثر التصاقاً بالنظام، ويعزّز خشيتهم على مصالحهم واستثماراتهم تحت وطأة العقوبات والحصار الاقتصادي، من دون إعلان تخليهم عن الرئيس والنظام اللذين شكّلا ملاذاً آمناً للمصالح والاستثمارات تلك.
ويتركز محور التساؤلات التي بدأ هؤلاء يطرحونها في العلن، مع تصاعد موجة العنف تبريراً للحسم الأمني، من دون أن يخفوا تأييدهم له، على الآتي: إما أن النظام لا يستعمل كل قدراته لإنهاء الصراع مع المسلحين، وإما أن هذه القدرات أصبحت بعد انقضاء الأشهر الأخيرة غير مؤهِّلة للحسم.
دفعهم ذلك إلى الاعتقاد بنزاع مسلح طويل الأمد.
4 ـــ لا يقل القلق على استفتاء الأحد المقبل عن القلق على مآل الحسم الأمني. ذلك أن النظام في حاجة فعلية، على الأقل إذا أراد تلميع صورة شعبيته لدى المجتمع الدولي، إلى اجتذاب أوسع شريحة من المقترعين إلى الاستفتاء، وإلى أكبر نسبة من المؤيدين للدستور الجديد الذي يمثّل إقراره، بأعلى نسبة تأييد وليس بأعلى نسبة اقتراع فحسب، مكسباً سياسياً كبيراً للنظام.
رفضت معارضة الخارج التي يمثّلها المجلس الوطني السوري المشاركة فيه، وتفاوتت أراء معارضة الداخل ـــ وهي أكثر من فريق ـــ حيال انخراط غير مشروط في الاستفتاء. وبات على الأسد إبراز الشرعية الشعبية التي يتمسّك بها وتمثلها تظاهرات مئات الألوف التي تخرج في شوارع دمشق وحلب والساحل السوري تأييداً له، من خلال مشاركة ما يقارب 75 في المئة من المقترعين كي يحصل على «نعم» تزيد عن 50 في المئة من هؤلاء، من أجل أن تعادل النصف +1 من نصاب السكان الذي هو أيضاً نصاب الشرعية الشعبية.
قد يكون الأمر شاقاً، ربما، بارتداداته على نظام حكم، منذ حسني الزعيم عندما نظّم أول انتخابات رئاسية في ظل انقلابه العسكري في حزيران 1949 إلى اليوم، لم يعرف مرة «نعم» بأقل من 99،99 في المئة من السكان.