في روضة عدشيت الجنوبية يرقد الشهيد علي صالح. لا شيء يميّز ضريحه عن سائر الأضرحة، إلا عبارة «مدمّر أسطورة الميركافا». قبل 6 سنوات، في الأيام الأخيرة من حرب تموز، جاء إلى وادي الحجير ليصنع تاريخاً. علم أن الإسرائيلي قرّر الوصول إلى نهر الليطاني. فهم أن الصهاينة يريدون التقاط صور لهم عند الماء، الذي ما عاد بعيداً عنهم مع دخولهم الوادي، فسُمع يقول: «يجب أن نوقف دباباتهم مهما كان الثمن». كان هذا آخر ما سُمع منه. فعلها علي. أوقفهم. شاهده رفاقه يركض من «قبضة كورنت» إلى أخرى. أفرغ كل ما في جعبته من صواريخ مضادة للدروع. راح يبحث عن مزيد. لم يخطر في بال الغزاة أن الرامي من تلك البقعة شخص واحد. ظل ينتقل من فيء شجرة إلى أخرى، من صخرة إلى صخرة، وأيّ من صواريخه لم يخطئ هدفه. ثوان على انطلاق كل صاروخ وتدوّي في مكانه قذيفة معادية. سنوات القتال علّمته كيف يحترس منها.

حلّقت طائرات الاستطلاع في سماء الحجير لتحدد مكانه. راح رفاقه يطالبونه بالانسحاب. قرر أن يصبح أصمّ الأذنين. مدرّعاتهم يجب أن تدمَّر مهما كان الثمن. هذا قراره الأول. للشهيد تلامذة اليوم في «ضد الدروع». يحارون في سرد بطولاته لكثرتها. صار أيقونتهم المقدّسة.
في معركة وادي الحجير، التي وصفها الإسرائيليون بالحرب الكبرى داخل الحرب الكبرى، حيث حسمت وجهة الحرب تماماً، كانت الوحدة 162 الغازية تعيش «جهنم الجحيم ولا شيء آخر». هذا ما نقلته صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن أحد الجنود المشاركين، الذي لم يكن يصدّق أنه سيخرج من هناك حيّاً، فـ«أنت ترى الموت بناظريك وتصافحه». الشهيد علي صالح خيّب آمال كتيبة «المظليين» الإسرائيليين. هبط هؤلاء في قرية الغندورية، لتأمين عبور أرتال الدبابات في الحجير، ولكشف كمائن رجال المقاومة أيضاً، فلا «الميركافا» وصلت، ولا الكمائن كُشفت. على العكس، ففيما كان علي يتكفّل بالمدرّعات في الوادي، كان رفاقه يجهزون على كتيبة المظليين، التي قيل إن 13 من عناصرها سقطوا بين قتيل وجريح.
ثلاثة وثلاثون يوماً كان علي صالح مقاتلاً خلالها على أكثر من محور. شوهد آخر مرّة في قريته عدشيت، شمال النهر، قبل 4 أيام من «مجزرة الميركافا» في وادي الحجير. لم تكن القيادة تريد أن تخسره، فالحرب قد تطول، وإذا عبرت المدرّعات النهر، فعندها سيكون ذاك ميدانه. ما استطاع صبراً. كان يمكن أن يكلّف بعض من درّبهم على يديه بتلك المهمة، لكن، في معركة ممنوع فيها الخطأ، ألح على القيادة قائلاً: «أنا لها. أرجوكم». كان له ذلك. أحصت المقاومة نحو 15 «ميركافا» دُمّرت على يد علي صالح. لم يكن بلال (اسمه الجهادي) يعلم أن عملية الأسر، صبيحة 12 تموز، ستكون آخر عمليات الأسر التي يشارك فيها. في كل هذه العمليات، التي نُفذّت بعد التحرير، كان يقبض على صاروخه بعيداً عن «نقطة المقتل».
رفاق علي صالح يقولون اليوم إنه كان بطل عملية «العزّية» قبل التحرير. هو من أدخل الصاروخ الموجّه من «طلاقة» دشمة الحرس. كان من أمهر رماة صواريخ «مالوتكا» و«ساغر» المضادة للدروع. صورة الجندي الإسرائيلي المتطاير لا تزال مطبوعة في ذهن كل من شاهد الفيلم المصوّر للعملية. تلك العملية التي أذت الإسرائيلين جداً، لحساسية الموقع واستراتيجيته، عرف بها الجميع، إلا أن أحداً لم يعرف بطلها آنذاك. قلة قليلة من المقاومين كانوا يعرفون أنه «بلال». لكنهم، كعادتهم، احتضنوا السر في قلوبهم. اليوم روح علي صالح ترفرف فوق ربى جبل عامل، فصار ممكناً ذكر اسمه، مع نسب تلك الوقائع إليه.
كثيرة هي المواجهات التي شارك فيها «بلال». قبل التحرير أصيب 3 مرّات. إحداها عام 1995 في محور النبطية على الطريق بين موقعي الدبشة والزفاتا. أصيب آنذاك في يده ورجله، لكن إصابة رفيقه «أبو الفضل» كانت أخطر. إصابتهما كانت بقذيفة دبابة اسرائيلية. هكذا، لعلي صالح ثأر قديم مع دباباتهم. كابر على نفسه، رغم إصابته، ونقل رفيقه المصاب إلى خارج المعركة، بمساعدة عباس ياسين. الأخير استشهد لاحقاً في عملية أخرى. مهمة «بلال» كانت على قاذف الـ«B ـــ10». في طريق العودة، مازح حامل رشاش الـ«BKC» بلهجته الجنوبية الحادة: «يا حبيبي بعدك حاملو لـ«أبو إجرين». كان يقصد الرشاش الذي تتدلى من فوهته قائمتان لتثبيته. لا تحصى النوادر التي تنقل عنه، لتعكس له وجهاً آخر، فيه الكثير من الدماثة و«طيبة القلب». بعد سنوات، وفي مواجهة أخرى، عند المحور ذاته، صعد «بلال» على سطح دبابة اسرائيلية. رمى بداخلها قنبلة وابتعد ليشاهد اللهب يخرج منها. قتل وجرح من فيها. تلك إحدى «شطحات» شجاعته، يتذكرها رفيق شاهده عن كثب. في هذه العملية «أصيب أيضاً، إذ كُسرت يده، فما كان يحتمل مدة جبرها، مستعجلاً الالتحاق بالجبهة».
رفيق آخر لعلي صالح، لا يزال، بعد نحو 14 عاماً، لا يفهم كيف استطاع «بلال» خنق كلب حراسة. كانت مهمة المجموعة في العمق، وإذا كشف الكلب بنباحه مكان وجودها، فإن مصيرها سيكون الفشل وربما قتل أفرادها. فعلها «بلال»، ثم مسح على رأس الكلب قائلاً: «سامحني مضطر».
والدته تحيل سائلها اليوم على أهل القرية لمعرفة من يكون ابنها. لا يختلف كثيراً في سمعته عن سائر شهداء المقاومة: جدّي في عمله، متواضع بين الناس، حسن المعشر، خدوم إلى حد وصف نفسه بـ«الخادم». لم يكن من حملة الشهادات الأكاديمية العالية، لكنه كان حاد الذكاء وبعين كـ«عين النسر». قلما أخطأ هدفه. في وادي الحجير حارت «عيون» طائرات الاستطلاع في أمره، ومعها مدافع الدبابات، ولسان حالها: «ما بال مصدر النار هذا لا يُصاب». أكمل مهمته على أحسن وجه. تيقّن، مع رفاقه أن كتيبة «الميركافا» قد دُمّرت.
أخيراً صار حاضراً ليُصاب. تمكّنت منه طائرة «MK» بصاروخ ذكي. لم يفارق الحياة فوراً، كأنه عصيّ على الموت، فعدّ في عداد الجرحى ونقل إلى المستشفى. ظل نحو 20 يوماً بين الحياة والموت. استفاق ذات مرة وعلم أن الحرب انتهت على نصر. هذه المرّة أغمض عينيه للأبد... جامعاً «الحسنيين»: النصر والشهادة.
بعد سريان وقف إطلاق النار، قال أحد المحللين العسكريين الإسرائيليين، إن معركة وادي الحجير «هي إحدى أهم المواجهات التي قام بها الجيش خلال العشرين عاماً الأخيرة». يوم استشهاد علي صالح كان عمره 31 عاماً، وكان لديه 3 أبناء، وزوجة حامل برابع. ولد الأخير بعد استشهاد والده، فاختارت له العائلة اسم بلال. يقال إن السيد حسن نصر الله بكى عندما وصله خبر استشهاد علي صالح.
اليوم لـ«مدمّر أسطورة الميركافا» رفاق وإخوة، لا يزالون يقبضون على جمر السلاح، وقبلتهم جنوب الجنوب. أحد هؤلاء كان قبل أيام عند ضريح علي. قرأ لروحه الفاتحة، لينتقل بعدها إلى ضريح الشهيد أبو علي رضا ياسين والشهيد عباس خريباني. سمح لشوقه بأن يتكلم: «سنظل نتذكرهم مع كل هبّة نسيم جنوبية. سنتذكرهم كلما غرّد عصفور على أشجار عاملة الأبية. ثلاثة وثلاثون يوماً من جهنم، قاتلنا فيها ولم نركع، انتصرنا، وفي قلوبهم تركنا حسرة وإلى الأبد... انهم لم يسمعوا كلمة آه منّا».