أسباب عدة دفعت الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الى الكشف عن واحدة من أضخم عمليات التضليل الاستخبارية التي تعرضت لها إسرائيل في حروبها مع العرب، وأوقعتها في الفخ الكبير بداية حرب تموز 2006، وأهداف عدة قصد إصابتها في هذا التوقيت، ورسائل عدة بعث بها في سرد استمر عشر دقائق. وكلها أمور تتعلق بصلب الصراع القائم في المنطقة اليوم، حيث تحولت الأزمة السورية الى وجه من وجوه هذا الصراع، بعدما باتت الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن معهما من العرب، طرفاً مباشراً فيه.


وهي الأزمة التي تحوّلت عنصراً مركزياً في مصير بلدان أخرى كلبنان والأردن، الى جانب القضية الفلسطينية. وإلى حين، ربما يبقى الإسرائيليون وحدهم يتابعون الأمر بجدية الى أن يلتفت الآخرون الى النتائج.
في أصل الموضوع، كانت بعض الإشارات قد صدرت من جانب المقاومة في الأشهر القليلة التي تلت الحرب في عام 2006 حول فشل ما سماه العدو «الوزن النوعي». لكن أي معلومة حاسمة لم تصدر عن الحزب أو المقاومة. حتى إن الإسرائيليين الذين تلقوا هذه الإشارات تعاملوا معها باستخفاف. وهم ظلوا على اقتناع بأن ما قاموا به في ساعات الفجر، تلك، كان إنجازاً حقيقياً. وبين تحقيقات فينوغراد وتصريحات القادة العسكريين والسياسيين وصراعات الأجهزة حول من يتحمل مسؤولية الإخفاقات، بقي الجميع يتحدث عن هذه العملية باعتبارها الحقيقة الأقوى التي حاول العدو طويلاً تحويلها الى البقعة البيضاء الكبيرة في صفحة حرب لبنان الثانية السوداء.
ودرج العدو على اعتبار خطة «الوزن النوعي» في أدبياته «درة تاج» إنجازات حرب تموز. وكل ما كتب ووثق عن الحرب تصرف مع هذه الخطة على أنها «أص الكُبَّة» الذي ادّخره الجيش والأمن في اسرائيل لمواجهة حزب الله، إلى حد جعلت أحد المعلّقين العسكريين في إسرائيل يصف العملية بأنها «التظاهرة المذهلة للجمع الاستخباري والقدرات العملانية». وقال إن «النشوة التي ولّدتها» لدى القيادتين العسكرية والسياسية جعلتهم يندفعون قدماً في الحرب من دون الالتفات إلى نفاد بنك الأهداف في اليوم الرابع منها.
والخطة، كما عرضها الإسرائيليون، هي عبارة عن عملية معقدة وطويلة الأمد لجمع معلومات دقيقة عن خريطة انتشار الذراع الصاروخية المتوسطة والبعيدة المدى الموجودة في حوزة المقاومة. ووفقاً للتقديرات الإسرائيلية، فإن سلاح الجو تمكن خلال تنفيذ هذه الخطة في ليلة الحرب الأولى من تدمير 70 إلى 80% من صواريخ هذه المنظومة. وقد أُطلق على هذه الليلة في أدبيات العدوان اسم «ليلة الفجر»، في إشارة إلى صواريخ «فجر 3» و«فجر 5» التي تشكلت منها ترسانة هذه الذراع وفقاً للمصادر الإسرائيلية.
الخطة برواية إسرائيل
وفي وقت لاحق على الحرب، سربت الاستخبارات العسكرية بعض معلوماتها عن الخطة. وفي كتاب «أسرى في لبنان» لمؤلفَيْه عوفر شيلاح (محلل الشؤون الأمنية في صحيفة «يديعوت أحرونوت») ويوآف ليمور (مراسل الشؤون العسكرية في القناة التلفزيونية الأولى) ورد شرح مفصل عن العملية. وتحدث المؤلفان عن «ستة أعوام من الإعداد، والجهود الاستخبارية الضخمة، والكثير من ساعات المناورة والتنظيم التي استثمرت فيها مئات ملايين الدولارات، من أجل تنفيذ هجوم واسع على عشرات الأهداف، معظمها مخازن أسلحة ومنصات إطلاق متوسطة وبعيدة المدى تابعة لحزب الله، كانت «الأص» في الأوراق التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي: ضربة جوية ساحقة، شبيهة بفجر الخامس من حزيران 1967، وبالهجوم على صواريخ أرض جو وطائرات سلاح الجو السوري في البقاع اللبناني عام 1982، والقصف التمهيدي الذي نفذته الولايات المتحدة في العراق عامي 1991 و2003.
ويشير الكتاب الى أن «أكثر من أربعين عملية خاصة لوحدات مختلفة تابعة لـ«أمان» (شعبة الاستخبارات العسكرية) استكملتها بمستوى عال من الدقة، بحيث أصبحت إسرائيل لا تمتلك فقط خريطة لأمكنة صواريخ الفجر، إلى درجة معرفة أي غرفة في البيت المحدد يوجد فيها الصاروخ، بل أيضاً قدرات خاصة على العمل: منظومات الـ«جي بي أس» كانت مصفرة بدقة يبلغ هامش الخطأ فيها متراً مربعاً واحداً. أما القنابل (الخارقة للتحصينات)، فقد أدخلت الإحداثيات في رقائقها الإلكترونية. وأقام سلاح الجو نموذجاً في جنوب إسرائيل، تدرب الطيارون فيه على مهاجمة أهداف من النوع الذي كان ينتظرهم في جنوب لبنان. المعونات الاستخبارية استكملت، بحيث يتم سحبها لحظة صدور الأمر وإرسال الطيارين إلى أهدافهم ضمن حد أدنى من الوقت».
ماذا فعل حزب الله؟
في كلمته أول من أمس، لم يتحدث السيد نصر الله عن عملية التضليل بحد ذاتها. قرر فقط الإعلان عن حصول العملية. لكنه ترك الباب مفتوحاً أمام سيل من الأسئلة المتراكمة منذ مساء أمس على طاولة كل المعنيين في الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية. وسوف يفتتح المزاد بسؤال قيادي:
س ــ هل يقول نصر الله الحقيقة؟
ج ــ لا يمكننا الجزم. لكن لم يسبق له أن كذب، أو غامر بصدقيته أو صدقية جماعته في أمر كهذا. ثم إن سيرة الحرب كما توالت فصولها تشير الى أن مخزونه من الصواريخ النوعية، إما كان أكبر مما نعتقد أو أنه فعلاً ضلَّلنا. ولدينا سوابق معه. لقد حصل في سنوات سابقة أن أجبرنا على التشكيك بصدقية عملاء كثر لنا في لبنان، من خلال لعبة العميل المزدوج. وفي الأعوام الأخيرة، كشف لنا عن قدرات كبيرة في العمل الاستخباري أدت الى فقء عيون كثيرة لنا. ثم هناك مثال عملية أنصارية التي بقيت ألغازها الى ما بعد 13 عاماً، عندما قرر نصر الله الكشف عن بعض تفاصيلها في سياق حاجات أخرى له. وتبين لنا أن ما قاله كان صحيحاً، وأنه فعلاً كان في انتظارنا يومها في البساتين الساحلية.
س ــ كيف نجح في تحديد خطتنا الأمنية، ومتى؟
ج ــ الفحص المفترض بنا القيام به اليوم، والذي سيتناول ملفات مكدّسة وعشرات الأشخاص والوسائل البشرية والتقنية، هو الذي سيوفر الإجابة.
س ــ حسناً، وكيف تتم عملية التضليل، هل من خلال عملاء مزدوجين أم من خلال تضليل تقني أم كيف؟
ج ــ التحقيقات نفسها قد تدلنا على نقاط الضعف، وقد نضع تصورات وتقديرات لا توفر لنا إجابة حاسمة. لكن إذا فهمنا نقاط الخلل، يمكننا بعدها رسم الصورة التقريبية. وإن كنا سنبقى ننتظر نصر الله، لسنوات طويلة أيضاً، قبل أن يقدم لنا الرواية، ويكمل لنا الرسم الناقص عندنا؟
س ــ حسناً، إذا كان ما قاله نصر الله صحيحاً، فهل هو عمد الى التضحية بقوة صاروخية حقيقية، أم أنه أنجز عملية التبديل بطريقة خاصة جداً أبقتنا من دون رؤية؟ وكيف يفعل ذلك ونحن نضع الأهداف تحت المراقبة الدائمة؟ هل يمكن أن يكون قد أنجز عملية النقل عشية عملية الأسر في 12 تموز، أم بعدها بساعات، أم ماذا؟
ج ــ التجربة مع حزب الله تدل على مفاجآت أمنية معقدة. وبالتالي، فإنه بقدر ما هو ضروري معرفة الجواب عن هذا السؤال، بقدر ما أن النتيجة واحدة. وهي أننا تعرضنا لعملية تضليل، تعني أن ما قد نعتبره أو نعتقده صحيحاً اليوم، يجب التشكيك به أو إعادة فحصه للتثبت، وخصوصاً أن الرجل أتبع روايته بتهديد لنا على شكل مفاجأة.
س ــ عن أي نوع من المفاجآت يتحدث؟
ج ــ إنها مفاجأة، ولو كنا نعرف بها لما كان السؤال واجباً، وإذا كنا لا نعلم، فإننا لن نعلم بها إلا إذا تحولت أمراً واقعاً، أو أجرى تعديلاً عليها وأعدّ مفاجأة أخرى مكانها.
لماذا إعلان نصر الله اليوم؟
قد يكون من المفيد التذكير بأن الحرب الأمنية المفتوحة بين المقاومة والعدو تشهد فصولاً متطورة ومعقدة للغاية. الطرفان يرفضان الحديث عن عمل قائم ومستمر. لكن العناوين لم تعد كما كانت عليه قبل ستة أعوام. حتى القدرات والموارد التي ينفقها الجانبان على هذا النوع من العمل أكبر بكثير مما يتوقع كثيرون. ثم إن السيد نصر الله، يلفت الانتباه (ولو بمعرض التحذير) الى أن عملية التضليل قد تكون قائمة الى الآن، ما يعني أن ما تريد إسرائيل مفاجأة المقاومة به في الضربة الأولى من الحرب المقبلة، قد لا يعدو خبراً قديماً في ملفات الحزب، علماً بأن الخيال المتصل بحالة المواجهة يتيح التوقع بأنه مثلما سيكون لإسرائيل ضربتها الأولى، سيكون للمقاومة ضربتها الأولى، سواء شنت الحرب من جانبنا، أو ترك للعدو أن يسرّ لساعات بعملية نوعية ابتدائية. ويمكن لنا أن نتخيل عشرات، إن لم نقل مئات، الأهداف العسكرية والسياسية والمدنية والاستراتجيية في إسرائيل عرضة لقصف صاروخي نوعيّ ومدمّر وشديد الدقة خلال دقائق معدودة. وبعدها يحلو الكلام!
أما السبب المتصل بالتطورات، فهو تعاظم الإشارات الى احتمال توريط العالم اسرائيل بعملية مجنونة في سوريا، أو على حدودها، وخصوصاً أننا نعود الى أجواء عام 2006. فمحاولات قلب النظام في سوريا سياسياً فشلت. وما يجري الآن ميدانياً، بما في ذلك جريمة اغتيال الضباط الكبار، لا يعدو كونه عملاً أمنياً وجزءاً من حرب مفتوحة، لكنه ليس من النوع الذي يدل على تغييرات جوهرية في موازين القوى أو قواعد اللعبة. ومع تصويت روسيا والصين أمس ضد قرار تدخل خارجي جديد، لا يبقى أمام أعداء سوريا والمقاومة سوى اسرائيل لتكون الصبي الأزعر. وهي تعطي الإشارات إما من خلال الحديث عن خشية من تحول منطقة الجولان الى سيناء جديدة، أو من خلال الحديث عن خطر محدق بسبب احتمال انتقال أسلحة نوعية سورية الى المقاومة في لبنان، ومن بينها الأسلحة الكيميائية.
إذا فكرت اسرائيل بخطوة من هذا النوع، فهي تعي اليوم، صراحة، أن حزب الله ليس على الحياد، بل هو في قلب معركة من شأنها إعادة رسم خريطة المنطقة بأكملها.