حتى اللحظة، نجح أعداء العرب في ضرب سوريا. عدم سقوط النظام لا يعني أبداً صمود الدولة. الجيش السوري، اليوم، يمثّل حجر الزاوية الذي يستند اليه الحكم. أما حزب البعث والمؤسسات المدنية، وحتى الجمهور الداعم، فانخرطت كلها في لعبة الصراع في النفوذ المحلي. هيبة السلطة التاريخية تعرّضت لنكسة قوية. أجهزة الأمن تواجه مأزق الترهل وعدم التحديث. الدماء التي تسيل يومياً تعزز الانقسام. والنتيجة: تراجع حاد في الاستقرار. تراجع اكبر في الدورة الاقتصادية. وتراجع أقوى في الحاجة إلى الدولة. هذا من فوق. أما من تحت، فلجوء جماعي إلى آليات الإدارة الذاتية التي تستفيد منها قوى المعارضة، لا سيما المجموعات المسلحة التي تثبت أقدامها حيث انتهت الدولة وغاب الجيش وتراجع الموالون.

أرياف سوريا كانت الأساس في الانتفاضة، وصارت الاساس في العسكرة. وهي الآن تمثل مراكز الحركة والتخطيط للمتمردين المسلحين. هذه الأرياف كانت رافعة ثورة البعث قبل عقود. عليها اتكل الراحل حافظ الاسد عندما ثبّت حكمه لاحقاً. وكانت عنصر التوازن الذي فتح الباب امام سوريا جديدة. لكن هناك العشرات من الأسباب المفهومة أو الموضوعية لتراجع حصة الريف من النمو الاقتصادي والبشري. ثمة أخطاء كثيرة قامت من جانب الحكم خلال عشرين سنة. أدت إلى انهاك الريف وتوزع أبنائه بين رحلة الزحف نحو أحزمة بؤس لفّت المدن الكبرى، وبين رحلة الهروب الى موقع البطالة الشاملة: تسرّب مدرسي، انهيار الخدمات العامة، وفوق ذلك، تسلط سياسي وأمني وحزبي وحتى طائفي، أدى الى تحول الريف أرضاً خصبة لأول انتفاضة شعبية تشهدها سوريا منذ زمن الاحتلال الفرنسي.
هذا النقاش، لم يعد له مكان الآن. الطاولة التي يفترض ان ترمى عليها ملفات المشكلات دفعت جانباً. استسهل النظام اللجوء الى القمع المباشر، بيما أخطأ المنتفضون في بيع حركتهم المطلبية الى اعداء لكل سوريا، من عرب وافرنج واستبداد عالمي. فكانت النتيجة، دخول سوريا في أتون حرب أهلية قاسية، لا مكان فيها للعقل، ويسيطر فيها الشر والغضب على كل شيء، ولا تبشّر نتائجها بخير.
بعد 17 شهراً على اندلاع الازمة، يعود السوريون انفسهم، كما المراقبون من بعيد، ليتباروا حول من كان صاحب الرؤية الثاقبة. الجميع يقول، اليوم، ساخراً: كنا حذرنا من الذي يحصل اليوم. لكن، لكل طرف مقدماته وخلاصاته السابقة والتالية على هذه العبارة. فريق الحكم والداعمين له يرددون ان المعارضين في سوريا لم يدركوا الفروقات عن بقية الدول العربية، وتجاهلوا المصالح الاقليمية والخارجية التي تجعلهم يدعمون أي احتجاج يقود الى تدمير سوريا. أما فريق المعارضين، فيكرر ان النظام تجاهل الحقائق على الارض، وكابر في نفي وجود مشكلة داخلية حقيقية، وحصر جهده في حل أمني ادى الى عسكرة الانتفاضة الشعبية.
وفي الخلافات، يدعو الموالون الى الهدوء، والقاء السلاح والخروج من الشوارع، والتوجه صوب «حوار واقعي» مع النظام، اما المعارضون فيدعون الى رحيل رأس النظام كمعبر الزامي امام تسوية مع بقية قواعده داخل الدولة وبين الناس.
في المحصلة، لا مؤشرات على تنازل متوقع من هذا الفريق أو ذاك. وتداخل المصالح الخارجية مع المواجهة الداخلية، ينقل الملف مجدداً الى الحرب الدموية. الكل يراهن على تبدلات جوهرية على الارض تفتح الابواب للمساعي السياسية. والى ذلك الحين، تبقى أبواب سوريا مشرعة لكل انواع القتل والتدمير، ولمواجهة فيها من الوحشية ما يبرر خشية حلفاء سوريا، والاعداء أيضاً، على مستقبل هذا البلد، بينما ترتسم على الارض، وبالدم، حدود دويلات مكتظة بالسكان او خالية لا فرق. سوريا التي نعرفها ماتت، وماتت معها كل الاحلام بدولة مدنية في هذا الشرق الطائفي.
ليس بعيداً كثيراً عن سوريا، اي عند حدودها الشرقية والغربية والجنوبية والشمالية، توجد دول وشعوب، تدفع ثمن التخلي عن سوريا الموحدة.
العراق، يستعد لجولة احتراب طائفي جديدة. الحلف الذي يريد اسقاط النظام في سوريا يسعى الى قلب نظام الحكم القائم في العراق. أميركا نفسها، التي تحظى بامتيازات خاصة في عراق ما بعد صدام، صارت اقرب الى منطق اوروبا المسيحية، ودول الخليج السنية، التي تفضل العراق ممزقاً، على عراق موحد يحكمه الشيعة وتفرض ايران وصايتها عليه.
الأردن، غارق في مشكلة داخلية عميقة، بسبب الحكم الفاسد، وتراجع قدرة الدولة على توفير ضمانات العيش بعد فقدان ضمانات الاستقلال التام. لكن هذا الاردن، يكاد ينخلع بفعل عملية جذب يتعرض لها من حقلين مغناطيسيين قويين، حقل يريده طرفاً حاسماً في ضرب النظام في سوريا، ولو بالاجرة التي توفرها ممالك النفط، وحقل يخشى انهيار سوريا الحالية وامتداد نفوذ الاسلام السياسي الى داخل الاردن. والترجمة الوحيدة عند الاردنيين للاسلام السياسي هي تحول النفوذ الفلسطيني الى عنصر حاسم يقود الدولة. عندها، ستتحرك الولايات المتحدة ومعها كل الغرب وكل عربها، لتثبيت فكرة الوطن البديل، سواء على حساب الدولة الأردنية نفسها، أو على حساب فلسطين.
تركيا التي تفاخر بأنها من أعظم دول الأقليم، تشهد عملية «اسلمة» ستدفع الى الغاء مظاهر المساواة المدنية التي رافقت استبداد اتاتورك، وبعد نحو مئة عام على سقوط دولة الخلافة، عادت لغة التمييز لتسود بقوة بين اقليات طائفية ومذهبية وقومية واثنية، بينما تقود المغامرة البائسة لمنظري حزب العدالة والتنمية وسياسييه، الى اخطاء تجعلهم يعززون قبضة الحكم المستبد داخلياً. فتتراجع الديموقراطية ومعها الحريات العامة والخاصة. وتتحول الخصخصة الشاملة وسيلة وحيدة لحماية النمو في اقتصاد معرّض لضربة كبيرة، في حال خسر سوريا ومعها العراق وايران.
هذا بالاضافة، الى ان كل القيود التي كبحت جزءاً من قوة حزب العمال الكردستاني ستكون قد تفككت كلها قريباً. وستكون اراض سورية كثيرة قواعد لتحرك الثائرين الاكراد الساعين الى هوية وطنية مستقلة.
اما اسرائيل، الدولة المضطربة يوماً بعد يوم، فرأسها مليء بالاسئلة الوجودية، بقاء النظام، يعني تعزيز محور المقاومة الساعي الى اسقاط النظام الصهيوني. وسقوط النظام، يعني فتح الجبهة الشمالية على موجة احتمالات سلبية لاسرائيل، مهما كان شكل الحكم المركزي في دمشق. لكن المشكلة الاكبر لإسرائيل، تكمن اليوم في ان ميزتها التاريخية بشن حروب استباقية، ووقائية، لم تعد في متناول اليد، بل ثمة خشية من خطأ غير محسوب، يؤدي الى انفجار، تدفع اسرائيل ثمنه الاول والاكثر حجماً.
(غداً: الثمن اللبناني الكبير وتكرار الخطأ الفلسطيني)