قبل 6 سنوات، نزل سامي الجميّل إلى تقاطع بشارة الخوري، مع رفاق له، لـ«الدفاع عن الأشرفية». وجد أمامه مجموعة شبّان غاضبين، قطعوا الطريق احتجاجاً على تناول السيد حسن نصرالله في الإعلام بطريقة اعتبروها مسيئة. لم يكونوا يريدون الدخول إلى الأشرفية، لكن «عنترة» الجميّل استفزّتهم، فأشبعوه، ومن معه، لكمات بالأيدي. «انكفأ» فتى الكتائب آنذاك، ليتبيّن لاحقاً أن من ضربه هو ربيع «البوي» وجماعته. من يكون هذا الأخير، ومن هم جماعته، وماذا عن الجماعات الأخرى، المشابهة، التي تنشط في العاصمة؟ ليس «البوي» سوى شاب، من ضمن ظاهرة اجتماعية، يمثّل هو ــــ القبضاي ــــ أبرز وجوهها.


ذاع اسمه، أخيراً، إلى جانب اسم محمود عكنان و«أبو عرب» ووسام علاء الدين، وسواهم. ثمّة صلة عاطفية تربط أصحاب هذه الأسماء بـ«قبضايات» سبقوهم، في حقبة الحرب الأهلية تحديداً، أبرزهم القائد العسكري لحركة أمل، في ثمانينيات القرن الماضي، علي أيوب (قتل في إحدى معارك أمل والحزب التقدمي الاشتراكي) الذي لا تزال لاسمه، حتى اليوم، رمزية «أسطورية» في زقاق البلاط والخندق الغميق.
يكفي في «الخندق» أن تسأل عن «البوي»، حتى تشي ملامح الوجوه عن الشاب الذي صنع لنفسه، على مدى سنوات، اسماً مهاباً، فصار شبّان منطقته يستقوون به. في جسده ضخامة تزيد من مهابته. لديه من «النخوة» ما يجعل أهالي منطقته يحبونه. من يجرؤ على أن يعتدي على خندق الغميق و«البوي» فيها؟ جرت «أسطرة» الشاب في بيئته، وهو في الواقع لا تعوزه الجرأة لفعل أي شيء. اسألوا قوى الأمن عنه. هو «ملك» شارع مونو ومتفرعاته. أصحاب الملاهي هناك يحتاجون إليه كحاجتهم إلى الزبون ويثقون به. من دون «البوي» لا أمن هناك ولا شغل. لا أحد أجدر منه بإدارة «الفاليه باركينغ» لتلك المحال. وهو يعرف من يستقطب من موظفي حراسة، حتى بات لديه «جيش» من هؤلاء يدينون له بالولاء.
آخر مرّة سُمع فيها عنه كانت قبل حوالى شهرين. آنذاك قطع جسر فؤاد شهاب بالإطارات المشتعلة، احتجاجاً على ما تطاول به الشيخ أحمد الأسير عبر قناة «الجديد» على السيد نصر الله. قيل إن «البوي» كان قائد التحرك الاحتجاجي في تلك المنطقة، في حين كانت أكثر من منطقة في بيروت تشهد احتجاجات مماثلة. في تلك الليلة ظهر وسام علاء الدين، المتهم بالاعتداء على قناة الجديد، على الشاشات يتعرّض للضرب بعد توقيفه. ذكرت بعض وسائل الإعلام أن «البوي» هو شقيق وسام، لكن في الواقع هو لا يمت إليه بصلة، ولا يشاركه في شيء سوى الغضب «من أجل السيد».

«عكنان» زقاق البلاط

أثناء حرب تموز، ومع نزوح الجنوبيين وسكان الضاحية إلى بيروت، تردد أن بعض الجهات كانت تمنع فتح المدارس لإقامة النازحين فيها. فجأة، ظهر محمود عكنان، صاحب الصيت الذائع في منطقة زقاق البلاط. راح يفتح أبواب بعض المدارس عنوة، إضافة إلى بعض الأبنية المهجورة، وينظم دخول النازحين إليها. وهو بقي، خلال 33 يوماً، يسهر على راحة هؤلاء ويؤمّن لهم احتياجاتهم. لم يكن عكنان يقوم بذلك بتكليف حزبي، بل بدافع الغيرة والنخوة. الشاب الذائع الصيت في زقاق البلاط والوتوات ومحيطهما يرتكز في حركته على شبّان كثر، من غير الحزبيين، يثقون به ويتبعونه «على العمياني». يقال إنه قادر على حشد 200 شاب عند أي طارئ. بعد انتهاء الحرب، شوهد يركض فرحاً في أزقة زقاق البلاط، حاملاً بطاقة شكر من قائد المقاومة، على الدور الاجتماعي الذي أدّاه. بكى فرحاً. لم يكن يصدّق أن السيد شكره. انتمى سابقاً الى حركة أمل، قبل أن يغادر صفوفها، من دون أن يلتحق بحزب الله، فظل على مودة مع الحالة التي يمثلها التنظيمان في بيروت.
سمرة وجه عكنان، الحادة، مع ما يضعه في يديه من خواتم، إضافة إلى نمط حركاته وكلامه، كل ذلك يجعل له «ستايل» خاصاً يعرف به. ليس ضخم البنية، لكنه مهاب في عيون أبناء منطقته. فمثلاً، رغم شجاعته، أو قسوته أحياناً، تراه يتأثر بمشهد عجوز غير قادرة على المشي، فيبادر إلى حملها أو حمل أغراضها. لا تسأل عنه إلا ويكون الجواب: «قبضاي من يلي قلبك بحبهم... وقلبو طيب».
تردد اسم عكنان أخيراً كأحد مهاجمي قناة «الجديد». وأشيع أن القوى الأمنية كادت توقفه في المقهى الصغير الذي يتردد إليه في شارع سبيرز. لكن رفاقه استطاعوا إخراجه من المنطقة وإبعاده عن العيون. رواد المقهى لا يزالون يجتمعون هناك. في الداخل صورة للسيد نصرالله، وإلى جانبها أخرى للوزير السابق زياد بارود. الشبّان هناك يشاركون شبّان الضاحية في الميول السياسية، بيد أن ثمة فوارق في اللهجة والمظهر، فهم أبناء مدينة قلباً وقالباً. بعضهم، بحسب سجلات النفوس، من أبناء بيروت القدامى، وبعضهم الآخر من أصول جنوبية. المشترك بينهم أنهم ولدوا وترعرعوا في العاصمة. الأمر ذاته ينطبق على «البوي» وجماعته في الخندق الغميق، وسائر أحياء المدينة التي تضم حالات مشابهة.

سرايا المقاومة؟

إثر توقيف وسام علاء الدين بعد إصابته بحروق، سرّب بعض الأمنيين إلى وسائل الإعلام أن الموقوف، والمجموعة التي كانت معه، ينتمون إلى «سرايا المقاومة». قيل إن حزب الله يدير هؤلاء، من دون أن يكونوا منضوين في تشكيله التنظيمي. وزادت من هذا الاعتقاد زيارة أبو علي كحلون، المسؤول الحزبي في بيروت، لعلاء الدين في المستشفى. مصادر حزبية أكدّت حصول الزيارة، رفضت «ما روّج له البعض عن أن ما حصل منظم»، مؤكدة أن الحزب «بذل جهوداً كبيرة لضبضبة الشارع، إثر حالة الغضب، وكان لا بد من احتواء هؤلاء الشبّان، بطريقة أو بأخرى، لكي لا تنفلت الأمور كلياً، خصوصاً أن الاحتجاجات راحت تتسع لتصل الى مناطق لم تشهد احتجاجات من هذا النوع سابقاً». وبحسب مصادر، فإن هؤلاء الشبّان مقربون اجتماعياً من حزب الله، ومنهم من ملأ استمارة انتساب إلى «السرايا» التي أسست بعد حرب تموز، لاحتواء المتحمسين للمقاومة من داخل بيئة الحزب، وممن لا يشبهون أعضاء الحزب في التزامهم الديني والعقائدي.
أحد وجهاء منطقة زقاق البلاط يشير إلى أن الدولة، وتحديداً القوى الأمنية، تعلم أنه «لولا احتواء حزب الله بعض هؤلاء الشبّان، لعمّت الفوضى كثيراً من تلك الأحياء، خصوصاً في ظل قرار النأي بالنفس عن المشاكل ذات الطابع السياسي». ويضيف: «في ظل دولة عاجزة، ربما يجب شكر الحزب على نجاحه في ضبط هؤلاء الذين تحسب لهم القوى الأمنية ألف حساب».
من جهة أخرى، يؤكد مسؤول أمني رفيع أن ما شهدته شوارع العاصمة بعيد توقيف علاء الدين، هو من فعل «شلّة غير منضبطة». ويضيف: «هؤلاء أصلاً لم يكونوا منضبطين، لكن حزب الله ضبطهم في مرحلة معينة. والآن يبدو أنهم يتفلتون منه وقد يتفلتون لاحقاً»، عازياً هذا «التفلت» إلى «قطع المعاشات عن سرايا المقاومة أو خفض قيمتها»، علماً بأنه من المعروف أن الانضواء في السرايا عمل تطوعي محض.

اللجا وأحياء أخرى

ظاهرة «البوي» و«عكنان» تنتشر، تقريباً، في مختلف مناطق العاصمة، مثل حي اللجا وبرج أبي حيدر وراس النبع والنويري والمصيطبة وعائشة بكار وفردان والحمرا. أعلام حركة أمل ظاهرة في هذه المناطق أكثر من أعلام حزب الله. يقول أحد المتابعين لشؤون تلك المناطق إن حي اللجا، حيث التجمع السكاني الأكبر لمؤيدي حزب الله وحركة أمل في العاصمة، يختلط فيه «الصالح بالطالح». هناك شبّان منظمون ومنضبطون، ولكن، في المقابل، ثمّة مجموعات «متفلتة». بعض هؤلاء الشبّان يتخذون من مقهى «أبو داوود» في المصيطبة مركزاً لهم، يتزعمهم «قبضاي» هو ط. ق. وفي عائشة بكار، فإن للمدعو م. هـ. صيتاً حسناً بين أهل المنطقة، فهو «قبضاي بحسب الأصول». يتحدث عارفوه عنه بكثير من الاحترام، ويشبّهونه بـ«قبضايات بيروت في زمن العثمانيين والفرنسيين، الذين كانوا يعرفون بالنخوة والدفاع عن الضعفاء».




صورة الحريري في منزل علاء الدين


قبل 35 عاماً انتقل والد وسام علاء الدين للسكن في زقاق البلاط. كان عمر ابنه آنذاك 4 أعوام. منزل العائلة من تلك البيوت التراثية في بيروت، التي أصبحت آيلة للسقوط بفعل عدم الترميم. داخل المنزل المتواضع صورة صغيرة للرئيس الراحل رفيق الحريري. ليس في البيت «نفَس» طائفي. هذا ما يقوله الوالد. فهو من الجنوب وزوجته بيروتية، وأزواج ثلاثة من بناته هم من السنّة. كان وسام يعمل «شوفيراً» خاصاً، وهو أب لثلاثة أولاد، لكنه توقف عن العمل بعدما ألمّت به أوجاع في الظهر. يرفض الوالد تصوير ابنه كمجرم، فهو «لم يكن يهرّب السلاح إلى سوريا، ولم يقاتل الجيش اللبناني، بل كل ما فعله أنه غضب لكرامة السيد التي تمثل كرامة المقاومة». شقيقة وسام، ميرنا، التي عملت سابقاً في مجال الإعلام، تحترم قناة «الجديد» تحديداً، وتقول إن شقيقها كان من أكثر المعجبين بالقناة أيضاً، وما فعله ليس ضدها كوسيلة إعلامية، بل «ضد أن تصدر الإساءة عن منبرها تحديداً».