تحلقت في مقر الحزب الديموقراطي الشعبي في صيدا مجموعة من الأشخاص. تحت لوحة خلدت محطات من عمليات المقاومة في رامية وعيتات والقنطرة، جلس على التوالي، ذوو الشعر الأبيض وذلك المغطّس بـ«الجل»، العمال والصناعيون والأساتذة والمثقفون، السيدات العاملات والمراهقات اللاتي لا يتخلين عن «الواتس أب». وبينهم، أطفال من عمر الشهر حتى عشر سنين. هؤلاء هم عائلة الحزب الديموقراطي الشعبي. يبدو عادياً «صمود» الكثير من الرفاق الأوائل على شجرة العائلة، ممن أصيبوا واعتقلوا وتظاهروا تحت جناحه. لكن انضمام طلاب وطالبات مدارس وجامعات حديثاً إلى الحزب العلماني، يشكل ظاهرة لافتة في صيدا. فمهمة قطاع الشباب فيه صعبة في استقطاب طلاب المدارس والجامعات والعمال إلى أفق علماني يقدس سلاح المقاومة، في ظل «موضة» الأسير والحريري التي تتوجه إلى هذه الفئة العمرية بالذات.
مناسبة اللقاء، تقريب الرفاق والرفيقات الجدد من ماضي الحزب وأمجاده في جبهة المقاومة الوطنية، بهدف تثبيت البوصلة لديهم التي قد يهزها العصف المذهبي والطائفي المستعر حولهم. استذكروا شهيد الحزب الأول راجح غرز الدين الذي سقط عام 1969 في عملية فدائية مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في غور الأردن. إلا أن «الشهيد الحي» رمزي، حضر ليخبرهم كيف أطلق الصواريخ على مسبح «ليبانون بيتش» في خلدة أثناء انعقاد طاولة المفاوضات بين لبنان واسرائيل لتوقيع اتفاق 17 أيار «الذي لا يزال يحوم حولنا». أما رشيد فقد حضر من دون إحدى قدميه وعينه اللتين فقدهما بانفجار لغم في كفرفالوس أثناء مشاركته في عملية لجبهة المقاومة الوطنية.
لكن ماذا عن المقاومة اليوم؟. يؤكد الأمين العام للحزب الديموقراطي الشعبي نزيه حمزة لهم أن الحزب رفض قرار حل المقاومة وتسليم السلاح. وظل حتى عام 1994، ينفذ عمليات في الجنوب. إلا أن عدم وجود نقاط متقدمة لهم في الخطوط الأمامية كما كان للحزب الشيوعي، أعاق عملياتهم. مع ذلك، أكد حمزة أن قرار القتال ليس مرتهناً بإمرة حزب الله، مفصحاً عن دور الجندي المجهول في عدوان تموز من جهة وجهوزية كادره العسكري لمواجهة العدوان الإسرائيلي.
من هنا، يأخذ بعض الرفاق الشيوعيين على الحزب تحوله إلى إسناد خلفي لحزب الله «الذي صادر دورهم واحتكر المقاومة المسلحة ضد اسرائيل». ينتقدون ما يقولون إنه ذوبان «الديموقراطي الشعبي» في خيارات الحزب القائد لقوى الثامن من آذار: ليس أولها المشاركة في تظاهرة الثامن من آذار وليس آخرها المشاركة في أحداث السابع من أيار في مناطق وجوده في بيروت والجبل وصيدا. لكن للحزب الماركسي اللينيني قناعة بدعم الحزب الإسلامي، يستمدها من قناعته بضرورة استمرار الكفاح المسلح ضد الصهيونية والإمبريالية أينما كان ومع أي جهة. يوضح حمزة بأن علاقة الحزبين المباشرة بدأت بعيد عدوان عناقيد الغضب في عام 1996، عندما «أدركنا أن المقاومة المسلحة حالياً هي بيد حزب الله فقط». وانطلاقاً من المبادئ الماركسية، «اخترنا التلاقي مع تلك المقاومة الكفوءة والإيجابية مع الناس بدلاً من عزلها وضربها»، يقول حمزة. المعادلة التي طرحها «الشعبي»، انعكست بعد سنوات في خطاب السيد حسن نصرالله عندما أعلن استعداده «للتعاون مع الماركسي اللينيني والقومي والإسلامي الشرفاء».
داخلياً، يدرك الحزب أن مواجهة اسرائيل أسهل من مواجهة قوى الطائفية والرأسمالية. من على شرفة منزله في رأس بيروت، يستعيد حمزة أحداث السابع من أيار التي لا يخجل حزبه بالمشاركة فيها، بعد أن سقط له الكثير في مواجهات التصدي لعملاء اسرائيل والقوى الفاشية. من هنا، لا يفصل حمزة المواجهة الأخيرة عن مقاومة الإمبريالية والصهيونية. لكنه يقر بأن «الصراع عميق، قد ينهزم فيه العلمانيون أكثر من مرة». اليوميات اللبنانية بتفاصيلها المصيرية والعابرة تضيّق الخناق على عناصره في ظل السعار المذهبي والتدفق المالي. يدرك الشعبي قدراته، ويعرف أن مكانه ليس في الصف الاول، بل في الكواليس. لم يرشّح أحداً من اعضائه لمقعد أو منصب ما. عمل بصمت بدءاً من جبهة المقاومة إلى معارك النقابات العمالية والاتحاد العمالي العام ومواجهة التدخل السوري ودعم المرشحين العروبيين والمقاومين ضد قوى السلطة، باستثناء حزب الله الذي تشفع له مقاومته. في صيدا التي يشكل فيها ثقلاً واضحاً، يحمّل «الشعبي» نفسه والقوى الوطنية، مسؤولية تمدد ظاهرة الأسير وقبلها المد الحريري. لكن أسفه الأكبر على تناسي كيف رفضت جرافات مؤسسات الحريري المساعدة في رفع أنقاض المباني التي قصفت خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، لإنقاذ العالقين تحتها ومنهم أحد مؤسسي الحزب الشهيد رشيد بروم الذي قضى مع عائلته متأثرين بجراحهم. لكن ليس شعور الانتقام الشخصي ما يجعل من آل الحريري وارتباطاتهم العدو اللدود للحزب الشعبي. بل إنها «الرأسمالية والاستئثار»، اللذان هزمهما الحزب في انتخابات بلدية صيدا عام 2004 وفي الانتخابات النيابية التي فاز بها «الحليف» أسامة سعد، عندما حوّل الحزب نفسه فيهما إلى ماكينة انتخابية.
الحزب الذي خرج من رحم حزب العمل الاشتراكي العربي الذي أسسه جورج حبش عام 1969، طالعاً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ينام مرتاح الضمير راضياً بحجمه المتواضع ومبتسماً لاتهامه بـ«الخشبية والراديكالية وعدم التنازل والمساومة والمثالية في زمن الأوغاد». كيف لا، وحمزة نفسه كان يمكن أن يكون اليوم زعيماً سياسياً في البرازيل التي هاجر إليها بدافع العمل في الخمسينيات وشارك في حركات التحرر في أميركا اللاتينية بقيادة تشي غيفارا. لكنه فضل بأن يترك التحرر الخارجي ويؤسس لتحرر بلده الذي انتهى به إلى الاعتقال على يد عناصر المكتب الثاني بتهمة التحضير لانقلاب على الدولة. «الشعبي» يقتنع اليوم بضعف موارده المالية التي يؤمنها من اشتراكات الأعضاء. ولإنجاز نشاط ما، «نلمّ ما تيسّر من بعضنا البعض». مع ذلك، يملك الحزب مؤسسات عدة كان قد افتتحها في زمن العز ولا يزال نشاطها مستمراً. مستوصف الشهيد رشيد بروم وجمعية الأدب والثقافة في صيدا ومنتدى إنسان في الشويفات والتجمع الوطني الديموقراطي في عكار.
حتى الآن، يتابع الشعبي مسيرته النضالية. فالشيوعية «لم تسقط بانهيار الاتحاد السوفياتي الذي ضربه التطبيق الخاطئ للاشتراكية البعيد عن أسس الفكر الماركسي اللينيني». فيما «الكفاح المسلح يثبت صوابيته يوماً بعد يوم حتى تحرير كامل الأرض». في رحابه، أيقن سمير القنطار معنى فلسطين وحياته التي أنقذها عناصر الحزب خلال إحدى المواجهات التي شاركهم فيها في جبل الكنيسة. مع ذلك، يعتبر بأنه أعطى أكثر مما أخذ. حتى أولئك الذين أعطاهم من حصته وقاعدته وموارده، لم يفوه حقه، حتى حزب الله.




إلى الرفيق السيد حسن

في عيد تحرير الجنوب، العام الماضي، جمع جاد حشيشو، ابن الثماني سنوات، مالاً «صمّده» من مصروفه الشخصي، في قجة بلاستيكية، دس فيها رسالة خطّها على ورقة من دفتر المدرسة، وجهها للسيد حسن نصرالله. بدأها بالتعريف عن نفسه بأنه «من الحزب الديموقراطي الشعبي، من صيدا، لبناني. أريد أن أعطي النقود للمقاومة لتشتروا السلاح لنحارب اسرائيل الكلبة. وعندما أكبر سأكون مقاوماً شيوعياً وسأحارب أميركا واسرائيل حدّ حزب الله وسأفرمهم قطعة قطعة حتى أطردهم من لبنان والجولان وفلسطين التي أحبها كثيراً». واختتمها بالتعبير عن فرحه فيما لو بادله السيد برسالة. حمل الطفل قجته إلى مليتا التي كانت المحطة الختامية للمسير الذي شارك فيه ونظّمه حزبه، من الوادي صعوداً حتى المعلم الجهادي. هناك، بادر جاد إلى تسليم القجة بالرسالة، لمسؤول المعلم. بعد أيام، اتصل الأخير بوالد جاد يبلغه بوجود أمانة لطفله سيوصلها وفد من حزب الله خلال زيارة خاصة لمقر الحزب الديموقراطي الشعبي في صيدا. الأمانة كانت بروازاً حفظت داخله رسالة جاد التي أكملها السيد بخمسة أسطر جوابية بخط يده ممهورة بإمضائه، وجهها لـ«العزيز جاد»، شاكراً له «محبتك للمقاومة ولحزب الله وفلسطين وعلى تبرعك بنقودك وأسأل الله أن يوفقك لتكون مقاوماً للاحتلال وناصراً للحق».
الطفل الشيوعي ذو السنوات الثماني، تحول إلى بطل حكاية يرددها عدد من المشايخ والكوادر في حزب الله للأطفال والفتيان في المخيمات وجلسات التعبئة الخاصة بهم. لكن ليس هذا كل ما أنجزه جاد. انتسب تلقائياً إلى الحزب الديموقراطي الشعبي، حتى قبل أن ينطق. ورثه عن والديه وأعمامه وأولادهم، مثلما ورث المشاركة في الاعتصامات والمسيرات المطلبية طلباً للعدالة الاجتماعية وانتصاراً للفقراء وضد السياسة الأميركية في عوكر وانتصاراً للثورات العربية وتضامناً مع المعتقلين الكوبيين الخمسة في الولايات المتحدة وإحياء لذكرى استشهاد غيفارا. كما انتقل إليه بالوراثة أيضاً، شغف متابعة فقرة التحية إلى شهداء المقاومة الإسلامية على قناة المنار، وحفظ تفاصيل العملية الاستشهادية لبطل جبهة المقاومة اللبنانية جمال ساطي وسيرة حياة غيفارا، ومناصرة كل حركات التحرر في العالم والمناضلين من أجل فلسطين ورفع شارة «لا تنسوا أسرانا في السجون الإسرائيلية» وشعار «المقاومة الوطنية اللبنانية وجدت لتبقى». لكن كل ذلك لم يثن جاد عن إصراره على الأخذ بثأر قدم والده التي بترت أثناء إحدى مشاركاته في عمليات الجبهة قبل أن يولد بسبعة عشر عاماً. يتمسك بالمقاومة الإسلامية، معبراً عن «قناعته» بأن «الشيوعيين يحبون أي حدا يحارب اسرائيل وأميركا».
لم تكن رسالة «الرفيق» جاد وحدها من حرّك السيد ليجيب بسرعة ويوصي مساعديه بـ «بروزتها» وتسليمها له باليد وتصوير تلك اللحظة بالفيديو ليشاهدها لاحقاً. بل إن تجربة حزبه مع الحزب الديموقراطي الشعبي كانت الدافع الأقوى. كلمات جاد، نسخة مبسطة لخطاب «الشعبي» الراشد.