لم يعد مجدياً انتقاد محكمة التمييز العسكرية. يمكن وصفها بمحكمة الإفراج عن عملاء إسرائيل. آخر إبداعاتها أمس إطلاق سراح العميل المحكوم شربل قزي، بكفالة قدرها عشرة ملايين ليرة لبنانية، بعد فسخ الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية الدائمة، والقاضي بسجنه 7 سنوات بجرم التعامل مع إسرائيل. قانوناً، يمكن المحكمة الدفاع عن قرارها. فالحكم الأول بات كأنه لم يكن. لكن قضايا التعامل مع إسرائيل أشد حساسية وخطورة من التعامل معها بهذه الخفة، وتركها بين يدي قضاة يبدون جاهلين بأن لهذه البلاد عدواً لئيماً وشرساً على الحدود الجنوبية. لو لم يكن الأمر كذلك، لما أخلت محكمة التمييز العسكرية سراح محكوم بجرم شائن كهذا. القزي خدم العدو واستخباراته منذ العام 1996، يوم دسّ نفسَه تحت ذلك الشرشف، على المقعد الخلفي لسيارة أحد كبار عملاء منطقة جزين، ودخل فلسطين المحتلة حيث التقى ضابطاً إسرائيلياً افتتح معه مسيرة الخيانة. من يقرأ القرار الاتهامي لقزي (أنقر هنا) يدرك أهمية هذا الرجل الذي أوقفته استخبارات الجيش في حزيران 2010.


فهو بلسانه يقول لقاضي التحقيق، حيث لا تعذيب ولا ضغوط، إن ما أعطاه لمشغليه يعني أن «الاستخبارات الإسرائيلية أصبحت تعيش بيننا داخل شركة (ألفا). بإمكانها التنصت على الاتصالات. وكان بإمكانها تدمير الشركة». ولدى الاستفسار منه عمّا يعنيه «بتدمير الشركة»؟ أجاب: «كان بإمكانهم إرسال «فيروس» يمحو كل شيء في الأجهزة التي حصلوا على كلمات المرور الخاصة بها، وكذلك إيقاف الاتصالات في لبنان خلال دقائق معدودة».
رجل أعطى العدو أهم أسرار شبكة اتصالات لبنان (أو أقله هو متهم بخدمة العدو إلى هذا الحد، بناءً على اعترافاته) أصبح اليوم حراً طليقاً. لحق بزملائه الذين أخلت المحكمة ذاتها سراحهم لقاء كفالات، او بالعملاء الذين باتت هذه الهيئة القضائية تستسهل إصدار أحكام «اعتذارية» بحقهم، منذ الحكم الفضيحة على عميد العملاء فايز كرم بالسجن مدة سنتين لا غير.
صار العميل، بفضل المحكمة التي ترأسها القاضية أليس شبطيني (مرشحة رئيس الجمهورية السابقة لرئاسة مجلس القضاء الأعلى) يقضي في السجن مدة أقل من تلك التي قضاها في خدمة العدو. قليلاً ما يصدر حكم على عميل بلا فضيحة من هذا النوع، في ظل الصمت المطبق للطبقة السياسية. كأن البلاد باتت بلا أي سقف. القتل متاح، وسرقة المال العام مباحة ومحمودة، والاعتداء على أمن الناس مسموح. واليوم، ترفع هذه المحكمة بأدائها السقف إلى مدى غير متوقع: الخيانة أدنى من وجهة النظر بقليل. هي جنحة شبيهة بالإضرار بالأملاك العامة عن غير قصد. إما أن المحكمة، بغطاء من الطبقة السياسية تطبق قاعدة «ظلم في السوية»، أو أن «نظام العدالة» اللبناني يثبت صحة تلك الشائعة التي يجري الهمس بها في أروقة العدلية ومكاتبها، بشأن «محفل ما»، يضم قضاة ومحامين وسياسيين يتخذون القرار في ليل، ليصدر نهاراً في المحكمة «باسم الشعب اللبناني».
المستوى السياسي من السلطة يبدو أقل إدراكاً لخطورة ما يجري من المستوى القضائي. ثمة من يشرّع أبواب البلاد للعدو بذريعة النص القانوني. لا وزير العدل التفت للضرر الذي تخلفه قرارات قضائية من هذا الصنف، ولا الحكومة مجتمعة متنبهة لذلك، ولا رئيسها ولا رئيس الجمهورية. فجأة يستفيقون على «استقلالية القضاء» وتحريك «التفتيش». وبين هؤلاء الجاهلين بكلمتَي «الامن القومي»، ثمة من يتحمّل القدر الأكبر من المسؤولية عن هذه الفضائح: إنه حزب الله. فمن صمَت عن سمّ فايز كرم، سيكون اليوم مجبراً على ابتلاع علقم غيره. والسؤال المطروح على الحزب اليوم هو الآتي: إذا لم تكن السلطة التي تتمثل فيها المقاومة قادرة على منع عميل من التجول حراً في الشوارع بلا عقاب، فلماذا هذه الشراكة من أصلها؟