بمعزل عن كلام مفتنٍ هنا أو حاقدٍ أو متورّط هناك، كان واضحاً أن خطاباً تبريرياً تنصّلياً كاملاً اندلع في مختلف أرجاء المجتمعات الإسلامية، عقب جريمة تفجير كنيسة الإسكندرية.

والتدقيق في بعض أوجه ذلك الخطاب يظهر نواحي كثيرة من الصحة والحقيقة، أبرزها التالي من العوامل والدوافع وخلفيات الجريمة:
أولاً، عامل حضور الغرب في «دار الإسلام»، وهو عامل اتّسم منذ قرنين تقريباً بطابع الاستعمار، مع ما حمله هذا الطابع من كليشيهات ثقافية تتركز على مفهوم أبلسة الغرب من قبل المسلمين، وصولاً حتى استنباط شعار «الشيطان الأكبر». ومن تلك الكليشيهات ما هو واقعي منطقي، وخصوصاً لجهة استدرار الثروات ودعم أنظمة الدم والدمى، وبالتالي استسهال اتهام هذا الغرب بالمشاركة، ولو بالصمت، في القمع والكم... كل هذه أسباب يمكن أن تعتمل في الذهنيات البدائية المركّبة على كل مركّبات نقص «العقل الديني» ومنظومة عقده لتتفجر عنفاً يستهدف كل شيء، فكيف لا يستهدف بشراً مصنّفين من خارج «دار الإسلام»؟
ثانياً، هناك عامل حضور إسرائيل. هذا الكيان المزروع حديثاً في قلب المنطقة، الذي فاقم كل أزماتها بأبعاده المتعددة: ببعده الديني على خلفية «لتجدنَّ أشدَّ الناسِ عداوةً...»، وببعده السياسي العسكري، على خلفية النكبة والنكسة وكل أبجدية الهزيمة الإسلامية أمام هذا الكيان، كما ببعده الثقافي التمييزي العنصري، الذي يستدرج مثله، ويرفض عكسه...
هكذا، بين ردّ الفعل الإسلامي على النموذج الإسرائيلي بتفجير عنفه ضد المسيحي حرباً استباقية من مشروع إسرائيل أو «إسرائيلات» ثانية، وبين احتمال «المؤامرة الصهيونية» الحاضرة دوماً، يجد هذا العامل مكانه بسهولة في المشهد السببي لجريمة الإسكندرية...
ويبقى ثالثاً عامل السلوك الجماعي للمسيحيين في هذه المنطقة، وهو العامل الذي انتهى نتيجة العوامل السابقة إلى دفع المسيحيين نحو حالة من التغرُّب في الهوية والانتماء، تغرُّب لا بمعنى الذهاب غرباً، بل بمعنى الغوص في غربة استلابية عن الذات والمحيط.
هكذا صار المسيحي في وسط الأكثرية الإسلامية إنساناً غريباً عن أناس يعيشون في وجدانهم الديني حالات مركّبة من الشعور بالظلم والهزيمة، إلى جانب عامل تحريضي للطرفين، فكان الانفجار حتمياً.
هذه الأسباب معقولة منطقياً، ومقبولة نسبياً في واقع الأمر، غير أنها تظل عاجزة عن استكمال المشهد، من دون عنصرين اثنين:
أولاً، إن واقع تلك العوامل يظل تفسيرياً، غير أنه لا يمكن أن يكون بأي حال تبريرياً، إذ لا شيء، لا شيء إطلاقاً، يقدر أن يبرر جريمة كالتي وقعت في الإسكندرية.
ثانياً، والأهم، إلى جانب «استعمار الغرب»، و«تحريض إسرائيل» و«استلاب المسيحيين الشرقيين»، ماذا عن مسؤولية الإسلام، والفكر السياسي الإسلامي، والمؤسسة الدينية الإسلامية الرسمية، في ما حصل في الإسكندرية وفي غيرها؟
والسؤال يجب أن يطرح من باب نقد الفكر الديني، «رحم» الله كتاب صادق جلال العظم، وخصوصاً في التجليات المجتمعية والسياسية لهذا الفكر. والسؤال يجب أن يطرح على خلفية الخريطة الكوكبية للأزمات العنفية التي تعيشها الجغرافيا الإسلامية.
ففي أزمة إسلام جزيرة مينداناو مع وطنهم الأول الفيليبين، لا وجود لعنصر إسرائيل المحرّض. وفي أزمة إسلام كزيبنغ جيانغ مع وطنهم الصين، لا يمكن الحديث عن تأثير استعماري للغرب على سياسة بكين... وفي أزمة إسلام البلقان مع كل محيطاتهم، يستحيل الكلام على «تغرُّب» مسيحيي الجوار، ما يعني أن ثمّة عوامل أخرى مكوِّنة لقوس الأزمات تلك. عوامل أكثر ذاتية وبنيوية. بعضها أزمة الفكر السياسي الإسلامي المركزي، مع الحداثة تخفيفاً، ومع مفاهيمها العامة، من الديموقراطية إلى الآخر. وبعضها تجلبب هذه الأزمة بلبوس «المحرَّم»، كمَن يخفي الداء متوهّماً علاجه بالإخفاء، وصولاً إلى البعض الأهم من عمق الأزمة، في سبر تلك العلاقة بين هذا الفكر ومفهوم «العنف»، أو «القوة» كما نظَّر لها أكثر من مرجع من مراجع المؤسسة الإسلامية المركزية.
يحلو لأحد الواعظين على شبكة «الحياة» الفضائية أن يقول لمشاهديه: «لا يخدعنّكم أحد بكلام: لتجدنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى... فهذا الكلام ليس إلّا القبول بمحبتنا لهم. لكن أين كلامهم عن محبتهم لنا؟».
بعد دماء الإسكندرية، آن الأوان للفكر السياسي الإسلامي، عبر مؤسسته الرسمية المركزية، أن يثبت خطأ هذه المعادلة، وأن يتحمّل مسؤولية إثبات العكس، قولاً وفعلاً، لا بخلفية كليشيهات «العيش المشترك» و«حوار الأديان»، بل على قاعدة قدسيّة الإنسان وكرامته أولاً.