في نتيجة لفشل المساعي السوريّة ـــــ السعوديّة، يُفترض أن يُعلن وزراء قوى 8 آذار استقالتهم من الحكومة بعد ظهر اليوم، ويعودوا إلى مقاعد المعارضة. قرار جاء في خلال اجتماع عقد مساء أمس في الرابية، حيث كان العماد ميشال عون أول من أعلن رسمياً فشل المساعي السوريّة ـــــ السعوديّة. وحضر الاجتماع، إلى العماد عون، كل من النائب سليمان فرنجيّة والأمين العام لحزب الطاشناق هوفيك مختاريان ومساعد الأمين العام لحزب الله حسين الخليل ومعاون رئيس المجلس النيابي النائب علي حسن خليل، والوزراء: محمّد فنيش، حسين الحاج حسن، فادي عبود، يوسف سعادة، علي الشامي، محمد جواد خليفة، ابراهام دده يان، جبران باسيل وشربل نحّاس.


القرار جاء بإعطاء مساعي رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان مهلة حتى الساعة الرابعة من بعد ظهر اليوم. وتحدّث فنيش باسم المجتمعين قائلاً: «على مجلس الوزراء أن يتحمّل مسؤولياته في مواجهة التطورات المتمثلة بتعطل المسعى العربي واتخاذ الموقف المطلوب من مجريات الأحداث، ولا سيما ما يتعلق بالمحكمة الدولية والقرار الظني». وأضاف أن المعارضة في انتظار جواب رئيس الحكومة، مشيراً إلى أن مسؤوليّة رئيس الجمهوريّة أن يُفعّل دور المؤسسات، وأن يطلب من رئيس الحكومة عقد جلسة وزاريّة، محمّلاً الإدارة الأميركيّة مسؤوليّة تعطيل المسعى العربي.
وفي المعلومات، فإن المجتمعين في الرابية مساء أمس اطلعوا على نتائج لقاءات حسين الخليل وعلي حسن خليل في دمشق ليل أوّل من أمس، وفي محصّلتها أنه لا تباين سورياً سعودياً، وأن الأمور وصلت إلى مكان متقدّم بين الطرفين، بما يفي بالغرض لجهة إنضاج التسوية اللبنانيّة. وتُضيف المعلومات أن بعض التطورات والتدخلات التي حصلت في اليومين الأخيرين وضعت الأمور في الثلاجة، ثم أصبحت المبادرة في حكم غير الموجودة. وعلى هذا الأساس، نُصح اللبنانيون بالتعاطي مع الموضوع في ما بينهم لحلّ هذه المشكلة.
على هذا الأساس، تُضيف مصادر المجتمعين، إن المكان الوحيد لإنضاج حوار داخلي، وتسوية داخليّة هو مجلس الوزراء، «لكن هذا المجلس لا يجتمع ورئيسه مسافر، فيما رئيس الجمهوريّة لا يُمارس أي جهد، ولا يبدو أنه متابع لتطوّر الأمور، وأنه يعي إلى أين تتجه».
وكانت القوى المجتمعة، بفعل الواقع الذي وجدت نفسها في مواجهته منذ صباح أمس، وهي التي كانت تظن أن التسوية السوريّة ـــــ السعوديّة حاصلة حكماً، قد بعثت بوفد من إلى رئيس الجمهوريّة لوضعه في صورة مطالب المعارضة السابقة وشروطها.
وتألف الوفد الذي زار الرئيس سليمان ظهر أمس من: النائب سليمان فرنجية (مع ما يرمز إليه لجهة علاقته الشخصيّة بالرئيس السوري بشار الأسد) والوزير جبران باسيل والمعاون السياسي للرئيس نبيه بري علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل. وأبلغ المجتمعون رئيس الجمهوريّة بمطالبهم، وهي على النحو الآتي:
1 ـــــ الطلب إلى رئيس الحكومة سعد الحريري العودة من نيويورك صباح اليوم، أي أن يكون قد غادرها مساء أمس. وقد أعلن القصر الجمهوري ليل أمس أن سليمان اتصل بالحريري من دون أن يُعطي تفاصيل أخرى.
2 ـــــ الدعوة على نحو عاجل إلى جلسة لمجلس الوزراء يكون على رأس جدول أعمالها أربعة بنود هي: إلغاء بروتوكول التعاون مع المحكمة الدوليّة، وسحب القضاة اللبنانيين في المحكمة، وهو ما ينتج منه وقف التعاون والتسهيلات المعطاة للتحقيق الدولي وإقفال مكاتب المحققين في بيروت ومنع المدعي العام من التراسل مع المدعي العام الدولي، ووقف التمويل اللبناني للمحكمة، وإعادة تفعيل قرار إحالة جريمة اغتيال المغدور رفيق الحريري وكلّ ما هو مرتبط بها والجرائم اللاحقة لها على المجلس العدلي. وتُعدّ هذه البنود أساس التسوية التي كان يجري إنضاجها، وكان قد أُضيف إليها فتح التحقيق في الملفات الماليّة، والتشارك في إدارة الملفات الاقتصاديّة، وتأليف حكومة جديدة لتطبيق هذه البنود يكون للحريري تمثيل كبير فيها لكنّه تمثيل لا يسمح له بإدارة الحكومة وحده.
3 ـــــ أعطي رئيس الجمهوريّة مهلة حتى مساء أمس لإبلاغ المعارضة نتيجة مشاوراته مع الحريري، لكن عند انعقاد اجتماع الرابية مساء أمس، قرّر المجتمعون انتظار الجواب حتى بعد ظهر اليوم، لأن رئيس الجمهوريّة طلب ذلك، بينما الاتجاه الغالب كان تقديم الاستقالات مساء أمس، لدفع رئيس البلاد إلى بدء الاستشارات النيابيّة اليوم.
وإذا ما استقال وزراء المعارضة العشرة، ومعهم الوزير عدنان السيّد حسين، أو وزراء جنبلاط الثلاثة (بعض مصادر المعارضة تقول إنها لا تُريد إحراج جنبلاط في هذه الخطوة لكونها تملك 11 وزيراً، فيما تقول مصادر أخرى إن على جنبلاط حسم موقفه)، يُفترض أن يُعلن رئيس الجمهوريّة إقالة الحكومة؛ لأنها فقدت نصابها القانوني، بمرسوم يصدر عنه وحده، ثم يدعو إلى استشارات نيابيّة.
وبدا أن قوى المعارضة السابقة مرتاحة لفكرة أن استقالة وزراءها ستكون بسبب فشل التسوية، لا بسبب القرار الظني، علماً بأنه لم تظهر إشارات بعد على أن هذه القوى تمتلك خطّة واضحة المعالم عن الخطوات اللاحقة، سوى العمل، وفق نظرية رئيس تيّار المردة النائب سليمان فرنجيّة، على دفع رئيس الجمهوريّة إلى اتخاذ موقف أسود أو أبيض، على قاعدة أنه «ما عاد هناك مجال للون الرمادي بعد اليوم».

عبد العزيز يعتذر من الأسد

وكما يقال عن أن كلام الليل يمحوه النهار، هكذا، محا اتصال صباح أمس من الأمير عبد العزيز، نجل الملك السعودي عبد الله، بالرئيس السوري بشّار الأسد، كلّ ما جرى التفاوض حوله والحديث عنه في الأشهر الماضية. اعتذر «بلياقة كبيرة» عن عدم إمكان تطبيق ما التزمت به السعوديّة لجهة التسوية في ما يتعلّق بالملف اللبناني، وأضاف أنه يتمنى أن تبقى العلاقة الثنائيّة بين البلدين في أفضل مستوياتها. انتهى الاتصال. دقائق معدودة، وكان الأطراف اللبنانيّون على معرفة بما حصل. وبدأت مروحة الاتصالات الداخليّة.
أمّا في أسباب الاتصال السعودي، فإن مصادر متقاطعة تحدّثت عن رفض أميركي لتغطية التسوية السوريّة ـــــ السعوديّة التي كانت قد حصلت على غطاء فرنسي، وأن رئيس الحكومة شارك في السياق الأميركي عبر التصريحات التي أطلقها من الخميس الماضي حتى اليوم، وعبر أداء فريقه السياسي وحلفائه، وهو ما عدّه البعض موجهاً مباشرة إلى وجه الملك عبد الله.
وتردّدت معلومات في وقت متأخر من ليل أمس عن ان الرئيس سليمان أجرى اتصالاً هاتفياً بالرئيس بشار الأسد طالباً منه التدخل لوضع حد للتدهور المرتقب على الساحة اللبنانية، فجاءه الجواب بما يفيد أن «لا علاقة لي بما يجري». الإجابة نفسها كان قد سمعها عدد من المسؤولين الغربيين ممّن اتصلوا بالرئيس السوري نهار أمس.
وكانت قناة «الجزيرة» قد نقلت عن مصادر وصفتها بالموثوقة أن وزيرة الخارجية الأميركيّة هيلاري كلينتون أبلغت الحريري والملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز صراحة أن الولايات المتحدة لن تقبل على الإطلاق أي حلّ يسبق صدور القرار الاتهامي.
في هذا السياق، تحدّثت معلومات صحافيّة غربيّة، وأخرى سياسيّة لبنانيّة، عن توقع إحالة القرار الاتهامي على قاضي الإجراءات التمهيديّة في المحكمة دانيال فرانسين قريباً جداً، قبل الجلسة التي ستنظر بطلب اللواء جميل السيّد الحصول على ملفات شهود الزور أو بعدها، والتي ستعقد يوم الجمعة في 14 كانون الثاني بأيّام.

جنبلاط مع الحوار الداخلي

وكانت المعلومات عن الإجهاض الأميركي للتسوية قد بدأت تتوالى بعد إلغاء رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط مؤتمره الصحافي. وبرّر جنبلاط، في حديث مع «الأخبار»، أسباب إلغائه المؤتمر بالقول إنه عانى «من نزلة برد». ولاحقاً قال إنه كان ينوي الحديث عمّا يحصل في السودان ومصر، «وبعدما بدأت تتوالى المعلومات عن الوضع الذي يتجه إليه بلدي، وبما أنني بدأت أعاني من نزلة البرد قرّرت تأجيل المؤتمر». وأضاف أنه «سيتحدّث اليوم (أمس) وغداً (اليوم) عن أن الحوار الداخلي ضروري اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، وإذا كانت بعض الدول لا تُريد حماية لبنان من القرار الظني وتداعياته، فعلينا التشديد أكثر على الحوار الوطني، لنحمي لبنان».
ومساءاً تضاربت المعلومات بشأن نيّة جنبلاط زيارة دمشق، في ظل تأكيد المصادر اللبنانية ونفي المصادر السورية وجود موعد لزيارة كهذه.

عون: الحريري لم يتجاوب

وقال السفير السعودي علي عواض العسيري مساء أمس لتلفزيون لبنان إن فشل المبادرة لا يؤثّر على العلاقة بين بلاده ودمشق، «فالتواصل السعودي السوري قائم، والجهود السعوديّة السوريّة من أجل لبنان متواصلة، والمملكة العربية السعودية دعت اللبنانيين مراراً إلى العمل من أجل حلّ ترعاه المملكة والشقيقة سوريا، وما زال هذا الموقف مستمراً، وإذا كانت المعارضة تقترح الآن اجتماع الحكومة من أجل حلّ لبناني، فهذا يسعدنا، وإننا مع إخواننا السوريين سنكون داعمين لهذا الحل»؛ وقد يزور العسيري جنبلاط اليوم.
وكان العماد عون قد صرّح، في مؤتمر صحافي عقده بعد اجتماع تكتّل التغيير والإصلاح في الرابية، بأن «المبادرة انتهت من دون نتيجة، ووصلت إلى طريق مسدود لأن الفريق المتمثل برئيس الحكومة لم يتجاوب مع المساعي».
ورداً على سؤال، رأى عون أن هذا الفشل بالنتيجة هو لبناني، وليس «فشلاً سعودياً ولا سورياً ولا أميركياً، ولا نجاحاً لفلان أو لآخر. الفشل هو فشلنا والنجاح هو نجاحنا. نحن اللبنانيين نتحمل كامل المسؤولية، وأنا كنت أقول لهم ألا يتوجهوا إلى الخارج، وكنت ألومهم على ذلك وأدعوهم إلى البحث عن حل لبناني ـــــ لبناني، إذ يجب أن نكون نحن اللبنانيين بعضنا أقرب إلى بعض. هذه سياستي وهي بمثابة شواذ بالنسبة إلى تفكير السياسيبن التقليديين، لأنهم جميعاً عملوا تحت وصايات معينة. اللبناني الحر وحده هو الذي يؤمن بالحل اللبناني». وأضاف أنه أيّد المبادرة العربية «لأننا لا نستطيع أن نكون ضد مسعى لخير لبنان. وفي النتيجة، أصحاب المسعى، أي الجمهورية السورية والمملكة السعودية، بشخصيْ الملك والرئيس الأسد، نبهانا كثيراً لنتحمل مسؤولياتنا كلبنانيين لكي نتوصل إلى الحل».
وعند سؤاله عمّن أطلعه على فشل المبادرة، ردّ عون: «زملاؤنا في حزب الله وفي حركة أمل وكل الأفرقاء. طبعاً هم تبلغوا من المرجع الأساسي الذي يقوم بالمبادرة، هناك اتصال بين الرئيس الأسد والملك عبد الله. بعدها، تبلغنا أن هذا الموضوع انتهى إلى لا نتيجة». وأضاف أن هذا «الفشل يُملي واجب المبادرة إلى مبادرة أخرى»، لافتاً إلى أن «كثيرين اعترضوا على الوقت الطويل الذي أعطي للمبادرة العربية. نحن قلنا إننا لا نريد أن نسجل على أنفسنا قلة صبر، لأننا سنُتَّهم عند ذاك بأننا نسعى إلى إفشال المبادرة فأعطينا كل الوقت الذي طلبته». وأشار إلى أنه يبدو أن «الفريق الآخر» كان يعمل لكسب الوقت، و«أعتقد أنه أخذ وقته الكافي، ونحن سنعود ونحاول مرة أخرى اليوم أو غداً، لا أعلم كم تتطلب المسألة من الوقت حتى نتلقى جواباً عن مبادرتنا. لذلك، نحن بدأنا مواكبة هذه الأزمة التي نتجت من نهاية المبادرة السورية ـــــ السعودية بدون نتيجة».
ورفض عون الإفصاح عن الخطوات اللاحقة. وعما إذا رفض رئيس الحكومة سعد الحريري عقد جلسة لمجلس الوزراء، قال عون: «لن ننتحر».

حمد بن جاسم متشائم

وفي أوّل تعليق رسمي عربي، أكّد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، حمد بن جاسم آل ثاني، أمس، أن «آخر الأخبار» عن مساعي حلّ الأزمة في لبنان «غير مشجّعة». وأضاف، في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان: «نحن نعرف أن هناك مساعي كثيرة تُبذل وآخر الأخبار الآن غير مشجعة». لكنّه أضاف: «هذا لن يثنينا عن مطالبة الجهات التي يمكن أن تساعد بالوصول إلى حل لهذا الموضوع».