نظّم معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية محاضرة لأستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة كنغز كولدج البريطانية، البروفسور الفلسطيني يزيد الصايغ (مستشار ومشارك من 1990 إلى 1994 في مفاوضات أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو اليوم مستشار دائم لمفاوضات الحل النهائي منذ 1998) بعنوان «استكشاف دور الجيش كمؤسسة عامة في العالم العربي: هل ستغيّر الثورات أيّ شيء؟».

رأى الصايغ أنّ ما حصل في مصر وتونس لم يكن تغييراً كاملاً للنظام بقدر ما كان تخلّصاً من رئيس حكم مدى الحياة. «الجيش هو جزء مهم من النظام القديم، وقد بقي كما هو، ولم نشهد تغييراً كاملاً له كما حصل خلال الثورة الإيرانية عام 1979». «الجيشان المصري والتونسي كان لديهما حسّ المبادرة بعدم إطلاق النار على المتظاهرين، وفي ذلك حسابات تتفوّق على رومانسية المقولة المنتشرة... الجيش والشعب إيد واحدة». تلك الحسابات هي التي حكمت تصرّف الجيش: من جهة كانت الحاجة إلى إبقاء تماسك الجيش، وخصوصاً أنّ الضباط الصغار كانوا يتعاطفون مع المتظاهرين، ومن جهة أخرى كانت محاولة من المؤسسة العسكرية للكسب السياسي من أجل الإعداد للمرحلة المقبلة والتأثير علىها.
وطرح الصايغ سؤالاً مركزياً برأيه لفهم ما حصل في مصر، وهو «من أعطى الأمر بإنزال الجيش إلى ساحات القاهرة؟». فإذا كان مبارك هو من أمر بذلك، فقد أخطأ خطأً جسيماً. أما إذا كان الجيش قد اتخذ القرار بنفسه، فهذا معناه أنّ الجيش أدرك الوضع بدقة، وقرر التخلّص من مبارك. وقال الصايغ، الذي علّم في أماكن عدة، منها جامعة أوكسفورد، وكتب الكثير من الأبحاث عن الشرق الأوسط، إنه «من اللحظة التي نزل فيها الجيش كان مصير مبارك قد حسم».
وأشار الصايغ إلى آلاف الضباط الصغار من الجيش المصري الذين دُرّبوا على الطرق العسكرية الأميركية حصراً، ورُبّوا على القيم الأخلاقية والاجتماعية المشتركة مع الجيش الأميركي منذ أكثر من 35 سنة، في مقابل أسلافهم الذين تربّوا على قيم الجيوش الاشتراكية كالاتحاد السوفياتي. وقد تساءل الصايغ، ربما بنحو يعوزه التدقيق أكثر، عمّا إذا كان ذلك يعني أنّ «أفراد الجيش المصري يملكون قيماً ديموقراطية أكثر من أسلافهم». يفترض هنا أنّ قيم الجيش الأميركي أكثر «ديموقراطية»، لكن القول بـ«انتقال تلك القيم» إلى أفراد الجيش المصري هو أيضاً افتراض آخر ينبغي تعميق الدراسات بشأنه. كذلك عرض الصايغ وجوب فهم الجيش المصري باعتباره مؤسسة لها مصالحها الاقتصادية الخاصة، من فنادق ومنتجعات ومصانع، يهمه المحافظة عليها.
وتطرّق البروفسور إلى «ظاهرة تعمّ الجيوش في المنطقة»، وهي انتشار التديّن أكثر فأكثر في الصفوف الدنيا، كحالتي إسرائيل وتركيا التي نرى في حالتها صعوداً لبورجوازية جديدة «إسلامية» تحلّ رويداً رويداً مكان البورجوازية الكمالية العلمانية القديمة. إنه جزء صغير من التغيّر الذي حدث في العالم العربي للجيوش التي تضخّمت تضخّماً هائلاً تحت ضغط التزايد السكاني. ففرض الأمن على مدن كالقاهرة تضمّ نصف سكان مصر، يعني تضخّماً هائلاً للبيروقراطية، واعتبار التوظيف في الجيش وسيلة للحماية من الإفقار الذي يسبّبه «النظام الرأسمالي الفاسد» في المجتمعات العربية. ويجب أيضاً الأخذ في الاعتبار الازدياد المفاجئ لأسعار الطعام العالمي عام 2008، والذي تبعه ازدياد آخر خلال الصيف الماضي، وتأثير ذلك في السلع الأساسية للمواطن العربي ودفعه إلى الاحتجاح. أضاف الصايغ أنّه «لم يكن هناك من حكم عسكري في العالم العربي باستثناء موريتانيا، ربما». فالدور التقليدي للجيوش العربية أزيح منذ عقود، واعتُمدت الفرق الخاصة كالحرس الجمهوري وسرايا الدفاع وأمن الدولة لحماية الأنظمة العربية مباشرة، والتي ازداد كثيراً الاعتماد عليها بعد «إعلان الحرب على الإرهاب».
ما هو دور الجيوش العربية في ربيع العرب وبعده؟ يعتقد الصايغ أنّه حيث يكون الجيش مؤسسة لها كيانها، منفصلة نسبياً عن السلطة، كمصر وتونس مثلاً، نرى تحوّلاً ديموقراطياً بطيئاً تُفكّك فيه الأجهزة الأمنية الاستخبارية القديمة، كما حدث في ثمانينيات أميركا اللاتينية. «أما في الدول الأخرى كسوريا واليمن، فأنا لست واثقاً من ذلك».