للمرّة الأولى منذ بدء التظاهرات في سوريا، بدأت نبرة صوت أهل النظام تعود إلى ما يشبه طبيعتها. لم يطمئنّوا تماماً بعد، لكنّهم يرون أن المرحلة الأكثر حساسية تمّ تخطّيها. فحتّى اليوم، «لم تشهد المدينتان الرئيسيتان في البلاد، دمشق وحلب، أي تحرك معاد للنظام. وفي المدينتين ثمة اقتناع لدى البنى التقليدية الواسعة النفوذ بأنّ أولوية الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد تتقدّم على ما عداها»، على ذمة المقرّبين من دوائر القرار في دمشق. أضف إلى ذلك أن المؤسسات العسكرية والأمنية والدبلوماسية والمدنية بقيت متماسكة إلى جانب قيادتها.

وفي رأي المصادر ذاتها، فإن ما سيرفع من نسبة الطمأنينة هو كون «عجلة الإصلاحات قد دارت، وهي لن تتوقف، وستكون أعمق ممّا أُعلن، سواء سياسياً أو إدارياً واقتصادياً». فخلال الساعات المقبلة، سيوقّع الرئيس السوري بشار الأسد مرسوم رفع حالة الطوارئ، ما سيعني إطلاق عدد كبير من الموقوفين. أما قانون الطوارئ نفسه، فسيحال على مجلس الشعب. والأمر لن يقتصر على هذا الجانب المعطوف على قانوني الإعلام والأحزاب. فبحسب المصادر المقرّبة من النظام، تحمل الحكومة الجديدة «مشروع مكافحة الفساد، وهي، خلال الأشهر المقبلة، ستقيل مئات الموظفين الكبار في الإدارة العامة، علماً بأن هذه الحكومة لن تكون سوى حكومة انتقالية، تمهيداً لحكومة ثانية تكون مؤهّلة لاستيعاب التغييرات التي ستشهدها بنية النظام، وخاصة لناحية توسيع أطر المشاركة».
وفي الجانب الاقتصادي، تؤكد المصادر ذاتها اتّخاذ قرار «على أعلى المستويات بإبعاد عدد من الشخصيات المقرّبة من النظام، التي تفوح منها رائحة الفساد واستغلال السلطة. وهذا القرار بدأ تنفيذه عبر عدد من الإجراءات التي ستظهر نتائجها تباعاً».
أضف إلى ذلك، فإن التغييرات الجدية سيشهدها المستوى السياسي، سواء في دوائر الدولة أو في حزب البعث، وتحديداً «أولئك الذين تبيّن أن علاقاتهم بالمناطق التي ولدوا فيها لا تتخطّى سور القصر الذي يملكه كلّ منهم في قريته أو مدينته». وبالنسبة إلى المادة الثامنة من الدستور، التي تعطي الحزب الحاكم منذ عام 1963 صفة «القائد في المجتمع والدولة»، فقد بدأ البحث جدياً في سبل الخروج من منطقها، «وسيُتّخذ قرار على هذا الصعيد، لكن ليس ضمن الرزمة الأولى من القرارات، وبالتأكيد لن يكون ذلك تحت الضغط».
هذا على مستوى الوعود التي يجزم المقرّبون من القيادة السورية بأنها ستنفّذ. أما ميدانياً، فإن قانون تنظيم التظاهر المزمع إصداره «سيُطبّق بحذافيره»، يقول أحد المقرّبين من النظام بلهجة هي أقرب إلى التهديد. وقبل ذلك، اتُّخذ قرار يُفصَح عن مضمونه بالقول «إن الاستقرار الأمني خطّ أحمر»، وشرحه أن «من يستخدم السلاح في الداخل السوري سيجري التعامل معه بقسوة غير مسبوقة». فما جرى خلال الأسابيع الماضية، تضيف المصادر ذاتها، «كشف تفاصيل المؤامرة التي تستهدف تفتيت سوريا، تعويضاً عن سقوط نظام كامب ديفيد في مصر»، على حدّ قول أحد المقرّبين من صنّاع القرار في عاصمة الأمويين. وخلال اللقاء الذي عقده وزير الخارجية وليد المعلم مع السفراء العرب، بداية الأسبوع الجاري، «تحدّث عن معطيات جمعتها الأجهزة السورية، تكشف عن تورّط عدد من الأنظمة العربية في التحريض المذهبي داخل سوريا، وخاصة في منطقة الساحل السوري، وتحديداً في منطقة اللاذقية. وهدّد المعلم الدول المتورّطة بكشف هذه الأعمال أمام الإعلام»، يؤكد مصدر مطّلع على ما يدور في أروقة صناعة القرار السورية، مشيراً إلى أن لقاءً سيعقده المعلم قريباً جداً مع السفراء الأجانب لإطلاعهم على وجهة نظر النظام في الأحداث الجارية. وفي السياق ذاته، بدا لافتاً، على حدّ قول مصادر مقرّبة من النظام في دمشق، تعاون السلطات الأردنية مع نظيرتها السورية على معالجة عدد من القضايا الأمنية التي ظهر منذ بداية التظاهرات أنها «تُثار من داخل الأراضي الأردنية». وبدأ هذا التعاون بعد أن بعثت دمشق برسائل «واضحة» إلى عمّان تحمل في طيّاتها أدلة على ما يوصف في الشام بـ«التورّط في المؤامرة». وأتى الردّ الأردني بعد أيّام «جازماً بأن ما يجري يحصل من دون علم القيادة التي ستتّخذ كل التدابير الممكنة لوقفه».
كل ذلك لا يعني برأي القريبين من دوائر القرار أن استقرار البلاد سيعود قريباً إلى سابق عهده. ويُنقل عن بعض من يتّصفون بـ«طول النفَس» في العاصمة السورية قولهم إن ما ظهر في الأسابيع الماضية «يحتاج إلى بعض الوقت لعلاجه».