لم يشأ رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، بعد تصريحه يوم الاثنين، الدفع في وجهة خلط التحالفات مجدّداً بمقدار توخيه توجيه تحذير إلى مَن يسميهم حلفاءه ويقيم وإياهم في موقع وخيار محدّدين. لم يخطر أن حلفاءه القدامى يريدون إثارة غبار من حول هذا التصريح كي يوحوا أنه يسلك نحو تحوّل آخر يقلب توازن القوى الداخلي رأساً على عقب. الواقع أن الرجل الذي قلب فعلاً توازن القوى وخلط التحالفات السياسية الداخلية مرتين في مدتين قياسيتين عام 2004 عندما انقلب على سوريا وعام 2009 عندما انقلب مجدّداً إلى سوريا، يتصرّف على نحو مختلف الآن. يشكو من افتقار البلاد إلى رجال دولة.

يتذكر الذين ناصبهم والده الراحل كمال جنبلاط العداء أو تحالف معهم، كالرؤساء كميل شمعون وصائب سلام ورشيد كرامي وصبري حمادة والعميد ريمون إده وبيار الجميّل، ويقول إنهم كانوا يختلفون في ما بينهم ويتصالحون في الدولة ومعها. يتذكر تجربة الرئيس فؤاد شهاب في الحكم والإصلاحات التي صنعها، ويسأل وهو يتذمر من الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدهور: هل هناك من يعرف أن الضمان الاجتماعي مثلاً أو الإنعاش الاجتماعي صُنعا في عهد شهاب؟
يقول الزعيم الدرزي: عندما حسمت خياراتي وانتقلت إلى الخط الجديد، قلت إن علينا التوصل إلى حكومة متنوعة، لا فاقعة. ليس شأن بعض حكومات عهد إميل لحود، ولا حكومة مجتزأة كحكومة فؤاد السنيورة عام 2005، ثلث البلد ليس فيها. حاول الرئيس ميقاتي المجيء بحكومة وفاق وطني، فلم يمشِ الحال. جرّب، لكن قوى 14 آذار لم تشارك. حاول تأليف حكومة تكنوقراط، لكنني لا أعتقد أنها تمشي في ظلّ الظروف والتطورات التي تمر فيها المنطقة. استجاب لكل الطلبات، وأعطى الأفرقاء المعنيين كلهم أكثر مما يجب أن يحصلوا عليه أحياناً، لكننا دخلنا في سجال عبثي على حقيبة الداخلية. أفهم أن لحزب الله حليفاً مسيحياً يغطيه في هذا الفريق هو ميشال عون، لكن لا يمكن في المقابل إلغاء الرئيس ميشال سليمان وتجاهل الخلاف الماروني ـــــ الماروني. لا يمكن التنكّر لوجود رئيس الجمهورية.
آخر طلب لرئيس تكتل التغيير والإصلاح وصل إلى الزعيم الدرزي قبل ثلاثة أسابيع، ووافق عليه من غير أن يقفل الخيار. استقبل الحاج وفيق صفا حاملاً إليه رسالة من الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله يطلب موافقته على ما طلبه عون، وهو أن تكون له الكلمة النهائية في التعيينات المسيحية في الإدارة. قال جنبلاط لنصر الله، عبر حامل الرسالة، إنه يوافق فوراً على الطلب، وأضاف إلى هذه الموافقة وجهة نظر دعا إلى أخذها في الاعتبار، مفادها أن هناك مسيحيين آخرين ليسوا من قوى 8 أو 14 آذار ويستحقون أن يكونوا جزءاً من التعيينات وفي قلب الإدارة. أفلا يعطون فرصة تعيينهم تبعاً لكفاياتهم بعد أن نتشاور حولهم.
يضيف: الوضع في سوريا حالياً والأزمة المفاجئة يوجبان تأليف حكومة ثلاثينية، شرط ألّا تكون حكومة انتقام. قلت هذا الكلام بعد لقائي الأخير مع الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله، وأصررت على أن لا نؤلف حكومة انتقام. بالتأكيد أنا مع تصحيح المسار في بعض الأجهزة، وخصوصاً في ما يتعلق بفرع المعلومات. عبر هذا الفرع أصبحت وزارة الداخلية إقطاعات. لنشرّع هذا الفرع ونحدّد له صلاحياته، ونؤلف مجلس قيادة جديداً للأمن الداخلي ونعمل على توفير التنسيق لمهمة واحدة للأجهزة الأمنية، بعد تصحيح أوضاعها فتوحّد جهودها وتنسق في ما بينها، حتى نتوصل إلى مرجعية واحدة لها. الأميركيون أوجدوا مرجعية واحدة للأجهزة الأمنية بعد 11 أيلول 2001، كذلك فعل الرئيس (نيكولا) ساركوزي، والرئيس بشّار الأسد يفعل الأمر نفسه أيضاً.
خرج جنبلاط من هذه المراجعة ليعزو إطلاق ما وصفه بتحذيره للغالبية النيابية الجديدة إلى وجود رأي عام يحاسب: كل شيء متردٍّ، الغلاء، القوة الشرائية للأجور، البنزين. هناك مشكلة الفقر والعمال.
ينظر باستخفاف إلى مَن التقط كلامه على أنه خطوة على طريق تموضع سياسي جديد: لا أتموضع أبداً، وليست لدي خيبة من خياراتي، بل أوجه تحذيراً. لنخرج من لعبة الحصص. كل واحد أخذ أكثر من حصته، وأكثر من اللازم. أخبرني عدنان القصار أن أحداث البحرين واليمن أدت إلى تهريب الأموال إلى دبي، لماذا لا نعمل كي تفد إلينا هذه الأموال ونستفيد؟
يضيف: أؤكد موقعي خارج قوى 14 آذار، وتحالفي من ضمن التنوع داخل قوى 8 آذار، في موقع مماثل لموقعي الرئيسين سليمان وميقاتي. هذا الموقع أسمّيه الوسطية. أفعل ذلك وأنا آخذ في الحسبان الرأي العام والأوضاع الاجتماعية، وكذلك قاعدتي. هناك المشكلة الاجتماعية لا مشكلة الخيارات. الخيارات عندي حسمتها منذ عام 2009. بعد الذي حدث في مصر وسوريا باتت قاعدتي أكثر وثوقاً وتمسكاً بالخيارات التي اتخذتها، ولم يكن في الإمكان إلا العودة إلى هذه الخيارات.
يعود جنبلاط إلى نبذ فكرة أنه يبحث عن موقع أو خيار سياسي جديد كي يقول: البلد يمر في مرحلة جديدة، وخصوصاً بعد الأحداث التي تتعرّض لها سوريا. نحن نريد حماية المقاومة. قوى 14 آذار سدّت الأبواب عندما طرحت قضية سلاح المقاومة ورفضت وضعه في الحوار. لا يمكن المضي في شعار بلا حوار، لكن في المقابل ينبغي عدم استخدام السلاح في الداخل. أسلّم لحزب الله بحماية سلاحه من أجل الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل. لكن للحزب مصلحته أيضاً، وهو بات كالسمك في المياه. كما نحن في حاجة إلى سلاحه، هو أيضاً في حاجة إلى توسيع رقعة تأييده لدى الرأي العام اللبناني والالتفاف حوله.
حضّ أيضاً على معاودة الخوض في موضوع السلاح في هيئة الحوار الوطني فور تأليف الحكومة الجديدة، من أجل استقامة معادلة الدولة والسلاح. لفته ما بات يرافق إثارة موضوع السلاح من ظواهر تبعث على القلق. يستعيد جنبلاط الاجتماع الذي عقده علماء من طرابلس والشمال قبل أيام واتخذ مواقف عنيفة من سوريا، ونقل عن مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني قوله له، قبل يومين عندما زاره، إن الاجتماع حصل بلا مراجعته، كي يقول الزعيم الدرزي إن بن لادن لم يمت حقاً، في ظل تصاعد النبرة المتطرفة. يحمله ذلك على توسيع مروحة اتصالاته ولقاءاته في نطاق سعيه إلى إبقاء التواصل الشيعي ـــــ السنّي قائماً. يقول إنه شجع المفتي على خطواته في استمرار الحوار، ويجد في القمة الروحية المسيحية ـــــ الإسلامية في بكركي غداً مؤشراً إضافياً إلى تعزيز الحوار.
يضيف: لا يمكن حلّ أي مشكلة بلا حوار. قلت ذلك للرئيس السنيورة عندما اجتمعت به، وللرئيس سعد الحريري في المكالمة الهاتفية التي أجريتها به قبل فترة طويلة، وأصررت على الحوار. نحن في حاجة إلى أن نحمي لبنان من إسرائيل في وقت لم يعطنا فيه المجتمع الدولي حتى الآن الغجر. هل يمكننا تجاهل شائعة في مصر قتلت 12 شخصاً وأدت إلى عشرات الجرحى بعدما قيل إن زوجة كاهن أسلمت؟ من الضروري دعم الحوار الشيعي ـــــ السنّي ومبادرة البطريرك بشارة الراعي في القمّة الروحية التي تكسر الحدة القائمة اليوم.
يقود هذا الاستطراد الزعيم الدرزي إلى مقاربة أحداث سوريا: لا يزال الرئيس الأسد يملك الجرأة والقدرة على ترجمة ما وعد به من إصلاح، لكن ليس في ظلّ الدوامة الأمنية. الاستقرار أولاً ثم الإصلاح، وأنا أعوّل على هذا المسار.
لا يشبّه جنبلاط ما جرى في مصر بما يدور في سوريا، لكنه يلاحظ أن الشريحة الواسعة من السوريين تريد الإصلاح والتعدّدية الحزبية: حتى الاتحاد السوفياتي بعد 77 عاماً انهار كل شيء فيه. لذلك، أرى من الضروري تجديد حزب البعث أيضاً وضخّ الدم الجديد فيه. صحيح أن هناك جماعات متهوّرة في سوريا، لكن الصحيح أيضاً أن هناك كفايات عالية فيها. اعترف الغرب بالحاجة إلى سوريا، ولم ينظر إلى أحداثها على نحو أحداث مصر واليمن وليبيا وتونس، ولم يسعَ إلى تقويض نظامها لأنه لا يزال في حاجة إلى ضرورته ووجوده، وهو يعرف أن سوريا مفتاح الحرب والسلم والاستقرار في كل الشرق، وأي تعاط غربي سلبي معها لا يفيد. أكثر من أي وقت مضى، أدعو الغرب إلى التعاطي بإيجابية مع نظام الرئيس الأسد.