ليس جديداً على الرئيس سعد الحريري أنّ يغيب أسابيع عن لبنان. فهو، خلال فترة رئاسته، أمضى أكثر من ثلث وقته بعيداً عن بيروت هرباً من همومها وأوجاع الرأس التي يحملها العيش فيها. وفي مرحلة تصريف الأعمال، لا يزال الحريري يحافظ على المعدّل الوسطي لسفره، فهو غادر لبنان يوم 23 نيسان الماضي، ولم يعد بعد. أي إنه حتى مساء اليوم يكون قد أمضى 42 يوماً في المهجر، بين الرياض وباريس ولندن، تاركاً إدارة مكتبه لعدد من معاونيه الذين يبقون على اتصال يومي بمستشاريه «الخاص ناص» الذين لا يتركونه أينما ذهب، وأوّلهم نادر الحريري.

يتوقّع المحطيون برئيس حكومة تصريف الأعمال عودته إلى بيروت خلال أربعة أيام أو خسمة حداً أقصى بعدما أُنجزت مهمّته الشخصية في الخارج. عودة الرئيس الشاب إلى مطار رفيق الحريري الدولي تُسقط ما أشاعه المقرّبون منه من أنّ مغادرته لبنان وراءها أسباب أمنية وتلقّيه وعدداً من معاونيه تحذيرات من خطر قد يدهمهم في هذه المرحلة نتيجة التقلّبات في المنطقة. لقد أشاع المقربون من الرئيس أنه تلقّى نصيحة من أحد السفراء الأجانب بضرورة مغادرة البلاد لإمكانية تعرّضه لمحاولة اغتيال «في ظل الانكشاف الأمني في لبنان والتوتر والاهتزاز الحاصلين في سوريا».
هذا العنوان شكل الغطاء الإعلامي والسياسي للمهمة التي نفّذها الحريري في مجموعة من العواصم، إذ غادر لبنان قبل ما يقارب الشهر ونصف الشهر بحثاً عن حلول واقعية وملموسة للأزمة المالية التي تعانيها مجموعة من الشركات والمؤسسات التي يملكها.
كان الحريري خلال الأسابيع الماضية مشغولاً في إنهاء تسوية تقسيم إرث الرئيس الشهيد بينه وبين إخوته، وخاصة مع بهاء وهند الحريري. فنتيجة أداء الرئيس الشاب طوال الفترة الماضية، طالب الأخيران بحصّتهما من الإرث، إذ رأيا أنه ليس من ضرورة تبديد الثروة في العمل السياسي في لبنان وتعريض هذه الثروات المنقولة وغير المنقولة للتطوّرات والتقلّبات في لبنان والمنطقة. ورأى بهاء وهند وغيرهما من إخوة الرئيس وأشقائه، أنّ وضع كل هذا القدر من الثروات في العمل السياسي من شأنه تعريض آل الحريري للخطر، خصوصاً في حال حصول أي خلاف أو عدم رضى بين أخيهم وبين المسؤولين في السعودية، وهو أمر عرضة لأن يحصل بنحو دائم.
وتفيد المعلومات بأنه بناءً على مطالب أشقائه بتقسيم الإرث وفصل الحصص، قرّر الوريث السياسي للرئيس رفيق الحريري شراء حصص إخوته في الشركات والمؤسسات وعدد من العقارات في لبنان والعالم. وبحسب مصدر مقرّب جداً من الرئيس الحريري، فإنّ قيمة هذه الحصص التي ينوي الأخير شراءها تصل لنحو مليارين ونصف المليار دولار.
فكّر الحريري «منطقياً»، وانتهت المشاورات التي أجراها مع بعض من حوله، بضرورة إجراء هذه الصفقة و«ترييح» رأسه من كل المطالبات والملاحظات التي يمكن أن يوجّهها إليه أبناء رفيق الحريري.
ولهذه الغاية، أمضى الحريري معظم وقته في الخارج بحثاً عن مصادر تمويل، قادرة على فرز المال نقداً. اجتمع بالعديد من المديرين في مصارف أوروبية وأميركية قادرة على هذا الفعل، مع العلم أنّ ما كان يبحث عنه الرئيس الشاب يمكن وضعه في خانة «العمليات الصعبة التي تحتاج إلى وقت طويل من المفاوضات»، ويعود ذلك إلى المبلغ الضخم الذي عليه جمعه نقداً.
نجح الحريري في إتمام هذه العملية بعد أسابيع من الاجتماعات واللقاءات الطويلة في العواصم الأوروبية، وسط تأكيد أحد المقرّبين منه أنّ «70 في المئة من هذه العملية نجحت حتى الساعة»، ما يسمح بالقول إن «الباقي أصبح من التفاصيل».
لكن لماذا «الباقي تفصيل»؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تتأخّر، إذ إنّ الحريري فاز بالرضى السعودي ومُنحت شركته، «سعودي أوجيه»، مشروع بناء قطار في منطقة مكّة، وهي صفقة بقيمة 30 مليار ريال سعودي، أي ما يقارب 8 مليارات دولار أميركي. مع العلم أنه يجري إعداد مجموعة من المشاريع الأخرى تراوح قيمتها بين 11 و16 مليار ريال سعودي، قادرة على انتشال أي أحد من مصيبته.
هذه المشاريع والأوراق التي يجري توقيعها بين الحريري والدولة السعودية تدحض كل ما أشيع عن تدهور العلاقة بين الطرفين، أو حتى يمكن القول إنه إذا تدهورت العلاقة في وقت سابق، فإنها عادت إلى طبيعتها في هذه المرحلة.
وتبقى في بال الحريري قضية الفساد المستشري في مؤسسته الكبرى، «سعودي أوجيه»، وكيفية القضاء عليه في مرحلة واعدة بالمشاريع، ولو أنّ القيمة التقريبية لهذا الفساد تراوح بين 20 مليون دولار و30 مليوناً، أي لا يمكن مقارنتها بقيمة هذه المشاريع الجديدة.