بعد اندلاع الاحتجاجات في سوريا، فُتح نقاش لا يزال مستمراً: هل نحن أمام ثورة حقيقية؟ أم جولة احتجاجات؟ أم هي انتفاضة لا أحد يقدر على وضع إطار لها؟ النقاش السياسي كان قد سبقه نقاش أخلاقي بشأن أيّ موقف يجب أن يُتخذ من هذه الأحداث؟ هل يمكن مناصرة المتظاهرين في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، وعدم تكرار الأمر نفسه في حالة سوريا؟


وهل الموقف الأخلافي يمكن أن يكون منفصلاً عن الموقف السياسي من الأزمة الدائرة؟ وبالتالي فإنه لا يمكن التفريق بين الأمرين. ثم ما هو دور الإعلام (الذي بات يحوي جميع أصناف التفكير والتنظير وادعاء القيادة والمعرفة بأحوال الشعوب كافة) في متابعة هذا الأمر؟ هل يكون الموقف على شكل تغطية حيادية لا موقف فيها، أم الانحياز فوراً وبصورة مسبقة غير قابلة للنقاش الى موقف الجمهور والناس؟ ثم كيف يكون الكلام عن الحكم والحكام هناك؟ هل تُطلَق عليهم النعوت نفسها التي تطلَق على الآخرين من الأنظمة والحكام، أم ماذا؟ وهل هناك حاجة الى نقاش أم لا؟ فإما أنت مع الثورات كافة، وبالتالي مع الثورة السورية، وإما أنت انتهازي، تتّخذ هنا موقفاً، وتتّخذ في مكان آخر موقفاً آخر؟
لا أحد يدّعي السبق هنا. إنّ من يعتقد أن ما حصل في تونس ومصر هو نفسه ما يحصل في ليبيا واليمن، يكون مخبولاً يحتاج الى مصح، ومن يعتقد أن ما يجري في سوريا هو أيضاً نفسه ما يجري في ليبيا، فهو مصاب بهوس سوف يقوده الى الخطأ الكبير، الذي إمّا يبدأ بعملية انتحارية، أو ينتهي بمقتل المهووس نفسه.
وفق هذا النوع من المعايير، يمكن القول إن ما حصل في مصر وتونس له خصوصية لم تكن تخطر في بال أحد. وبالتالي، فإن سرعة انهيار الحكّام هناك (باعتبار أن الأنظمة لم تسقط بعد) ترتبط أكثر بقوة الضغط الجماهيري من جهة، وارتباك الحاكم من جهة ثانية، وبكون القوات المسلحة، التي ينتهي مشهد الثورة بتوليها الأمر، لم تكن في قلب الانقسام بين الشارع والحاكم، بل كانت تقف على مطل، وسرعان ما أدركت أنّ مصالحها الحقيقية أقرب إلى الجمهور.
في تونس ومصر، ظهرت منذ اليوم الأول عزلة الحاكم. إنه بلا جمهور ولا يمثل مصالح فئات واسعة، وإنه أقرب الى العمالة التي فقدت دورها في آلية الإنتاج، وإن الموت حاصل منذ زمن، لكن كانت هناك حاجة إلى دفن صاحبه. كذلك كان الخارج مكبّلاً بجهله، وبصدمته إزاء عدم توقعه أيّاً من العناصر التي كوّنت المشهد الشعبي.
في حالتَي اليمن وليبيا، ثمة عنصر واقعي، بمعزل عن الموقف منه، تقديراً أو تقريعاً، إلا أنّ الحاكمَين اللذين تطلب غالبية شعبية إطاحتهما، يتمتعان بحضور جدي وسط الناس. وعندها قرر إعلام غبيّ، أنّ من يقف الى جانب معمر القذافي هو من المرتزقة. وصارت الخرافات تنهال على المواطن العربي: إنهم يأتون بطيارين من دول أخرى، وإنه يجري ربط الطيار بمقعده حتى لا يقفز، وإنه جيء بأهل القادة العسكريين الى منزل القذافي فمن يهرب منهم يبقَ وحيداً، ثم جرى تصوير قسم من الجمهور الليبي المتعاطف مع القذافي على أنه في حالة فقدان للتركيز، ووصل الأمر بجلّاد المجتمع الدولي أوكامبو، الى الحديث عن تزويد المقاتلين بحبوب منشّطة للجنس.
في حالة ليبيا، قررت الدول المعنية التحرك وعدم انتظار المزيد من المفاجآت. وكان لهذا التحرك نتائجه المباشرة، إذ أُسندت قيادة الثورة الى مجموعة ائتلافية تجمع منشقين عن القذافي، وعملاء الاستخبارات الغربية المنتشرين في عواصم العالم، وتستوعب مقاتلين من أيتام تنظيم القاعدة. وجيء لهم بمنظّرين ورجال دين ثم تقرر أن يتحرك الغرب ليتولى هو تحديد آلية سقوط القذافي. وتبيّن مع الوقت أن إسقاط القذافي يحتاج الى عمل عسكري بري، والغرب لا يريد إنزال جندي واحد على الأرض حتى الآن، وليته يفعل، فيما لم يصل المقاتلون من المنتفضين على العقيد الى المستوى الذي يتيح لهم هزمه سريعاً. وبالتالي، تقرّر أنه بانتظار تركيب صورة النظام المقبل، سوف يصار الى استخراج حيلة القبائل والعلماء، وما على الليبيّين سوى انتظار ما يقرره العالم لمصير ثورتهم... فهل نحن أمام ثورة حقيقية ينبغي لنا دعمها من دون سؤال؟
ثم جاء القرار الآخر من العالم، بأن تتولى دول الخليج العربي إدارة شؤون ثوار ليبيا، فتهتم قطر باستضافة القبائل وإعداد «قياديين إعلاميين»، لأن العقيد حرم الثوار نعمة الفايسبوك، بينما ترعى دولة الإمارات المؤتمرات الداعمة مالياً، فيما تعد السعودية بأنها تهيّئ لهم منذ الآن ملايين النسخ من القرآن، المرفقة بشروح ابن تيمية والأفكار الوهابية الوقّادة.. ومع ذلك يراد لنا أن نقف إلى جانب هؤلاء؟
أما في حالة اليمن، فلا أحد يمكنه تجاهل المشهد الأسبوعي لساحات صنعاء وتعز وبقية المدن. أنصار علي عبد الله صالح ليسوا قليلي العدد إزاء غالبية مؤيدة لخروجه من الحكم. والانشقاقات داخل الجيش لا تلامس مرحلة نزع أنياب الرجل، ثم إن مؤسسات الدولة نفسها لم تفقد كامل زخمها كما هي الحال في مصر مثلاً، بل على العكس، فإن التفتيت الجغرافي والقبائلي والعشائري والحزبي يدل على مستقبل بائس لهذه الدولة، سواء نجحت الثورة أو لم تنجح. ومع ذلك، فإن الغرب يدرس خطواته بحذر. لا هو قادر على ضمان مسبق بأن يأتي رئيس ليّن ومتجاوب كالموجود حالياً، ولا هو قادر على إدارة تسوية للنزاع، بينما تُرك لعرب أميركا في الخليج إجراء مفاوضات، لكنها أخذت طابع الوصاية الذي استفزّ المعارضين من الثوار الحقيقيين قبل الحاكم. وفي النتيجة، تنساق اليمن نحو حرب أهلية تحتاج الى منقذ لمنع تفاقمها.
أما في سوريا، ولمن يرغب طبعاً، فيمكن الجزم بأن المشهد الاحتجاجي، لا يوازي حتى اللحظة حجم تظاهرة في حي شُبرة، التي لم تصلها كاميرات العالم خلال انتفاضة مصر، كذلك فإن المشهد ينمّ عن أقلية شعبية تشارك بفعالية من جمعة الى أخرى، واختفاء بعض مظاهر الاحتجاج في مناطق عدة، ليس سببه القمع الكريه. وإنّ من تحدى الموت في أكثر من مكان ويصر كل أسبوع على التظاهر، يعطي الانطباع الأكيد، بأنّ الامتناع عن الانضمام سريعاً وبكثافة الى هذه التظاهرات لا يعبّر عن خوف. قد يكون هذا العامل موجوداً، لكن الأكيد أن مشاهد الحياة الطبيعية دليل على أن الشعب السوري لا يعيش همّاً مشتركاً اسمه تغيير الحكم أو النظام أو إطاحة الحاكم. والإجماع القائم على ضرورة إحداث تغييرات عميقة، لا يقابله إجماع على كيفية الوصول الى هذه النتائج، والذين يدعون العشائر الى التحرّك، معتقدين أنهم يستفزون شعوراً خاصاً عند هؤلاء، يجب أن يأخذوا في الاعتبار أن العشائر الأخرى، ولو كان اسمها طوائف أو أقليات، سوف تكون أكثر استنفاراً لخطوات مضادة. وبالتالي فإنّ مشهد الخوف من نتائج ما يحصل ليس أمراً مفتعلاً. تارةً نقول إن النظام والإعلام الرسمي السوري كذابان ولا يجيدان حتى الكذب، ثم نتهمهما بأنهما نجحا في ترهيب الناس وخلق مناخات عن فتنة مقبلة إذا استمرت الاحتجاجات.
وبمعزل عن الأدوار المنفوخة التي ينسبها البعض إلى نفسه في معرض أبوّة المتظاهرين أو تولي وظيفة مرشدهم الروحي، فإن واقع الحال يشير الى مشكلة حقيقية: لا النظام يمكنه تجاوز ملف الإصلاح العميق، ولا المعارضون قادرون على إطاحة النظام لمجرّد أن نقلت «الجزيرة» تصريحاتهم، ذلك أن النظام لا يزال متمتعاً بدعم غالبية شعبية. ومجموعات كثيرة من الذين تحاورت معهم السلطات على شكل لقاءات أو مقابلات، إنما عبروا بوضوح عن تمايز بين جانب مطلبي إصلاحي والموقف السياسي. وحتى اللحظة، فإن من يدّعي انتقال المتظاهرين الى مرحلة إسقاط النظام، إنما هو فاقد العقل، وغير عارف أبداً ما يجري في سوريا أو حولها.
الأهم من كل النقاش الخالي من الواقعية، هو أن إسقاط النظام في سوريا دونه استحقاقات كثيرة، بعضها داخلي يتمثل في بروز مشاهد الاحتجاجات المليونية، وبعضها خارجي يتمثل في عزلة دولية حقيقية، لا عزلة أميركا وجماعتها. أما بعضها الثالث، فهو القدرة على منع حصول الانفجار الكبير، الذي سيطيح كل شيء، ولا يبقي لأحد ما يتحدث عنه، سوى تقديم واجب العزاء.
ليس من عناصر متشابهة بين كل ما حصل في الدول العربية، سوى الكادر الذي قررت قناة «الجزيرة» ومن هم خلفها اعتباره العنصر المحدد لوجهة الأمور. أعان الله من فيها ومن هم حولها ومن هم أمامها ومن هم خلفها على رسم كادر صورة النهاية لمشهد إعلامي ما كان ليكون أكثر بؤساً...