الحدث الاستثنائي الذي شهدته سوريا بانعقاد لقاء لشخصيات معارضة، كانت تلتقي إما سراً أو في السجن، ستكون له آثاره المباشرة على كل حركة المعارضة السورية في الداخل. الشباب المتحمسون في الشارع يكررون تجارب رفاقهم من الذين خرجوا إلى الشوارع في مصر وتونس واليمن، حيث يتحفظ هؤلاء على كل مبادرة سياسية إما رفضاً للقائمين بها لكونهم لا يمثلون الشارع بحقّ، أو خشية منهم أن تضيع قضيتهم ومطالبهم في دهاليز اللعبة السياسية. وهذا أمر مفهوم.


بل ربما من حق الشباب السوريين المنخرطين في الاحتجاجات القائمة منذ 3 أشهر أن يأخذوا مسافة، وأن يتفرغوا لما يعتقدون أنه الفعل الحقيقي في الشارع. وهم هنا، يجيدون التقدير أن كل ما يمكن وصفه بالإنجاز لناحية علانية نشاط المعارضة أو فاعليتها إنما يعود إلى التضحيات التي بذلوها في الشارع. وهو أمر يقرّ به المعارضون أيضاً، ولو أن تقديراتهم للأمور تأخذ بعداً مختلفاً.
لكن العنصر الآخر الذي أطل برأسه أمس، هو تعليقات صدرت على لسان معارضين للنظام السوري ممن يعيشون في الخارج، ولا سيما في أوروبا والولايات المتحدة. بعضهم رأى أن من شارك في لقاء دمشق قبل يومين لا يمثل المعارضة، وبالتالي لا يمكن الركون إلى ما يصدر عنه. وبعضهم الآخر رأى أنه ما كان للسلطات السورية أن تسمح بانعقاد اللقاء لولا أن تفاهماً ما حصل بينها وبين الشخصيات المشاركة في اللقاء أو المنظمة له. وهذا التشكيك ـــــ ولا اسم ثانياً له ـــــ إنما يعبر عن رغبة من هم في الخارج في أن تترك لهم قيادة أي مفاوضات سياسية ستحصل مع النظام، أو أنهم لا يريدون أي نوع من الحوار؛ لأنهم يعتقدون أن الأفضل هو السير نحو معركة إسقاط الرئيس بشار الأسد على طريقة ما حصل في مصر وتونس. وقسم لا بأس به من معارضي الخارج، وخصوصاً الذين يعيشون هناك منذ عقدين على الأقل، لم يعودوا يهتمون بأن يبرروا حتى اللجوء إلى قوة خارجية بغية تحقيق مطالبهم، تماماً كما هي حال قسم كبير من معارضي النظام الليبي الذين شجعوا على دخول الغرب في معركة عسكرية لا تؤدي حتى الآن إلا إلى قتل المزيد من أبناء هذا البلد.
وإذا كان صعباً على أحد اتخاذ قرار، باعتبار أن معارضي دمشق هم الذين يمثلون المعارضة، وأن من هم في الخارج ليسوا سوى أدوات بيد المشروع الغربي، إلا أن أهمية من اجتمع في أحد فنادق سوريا أمس، تعود إلى أن المشاركين يحظون بشرعية أخلاقية لا يتمتع بها كثيرون من الذين يدعون اليوم إلى تغيير الحكم في سوريا. فهم أولاً من المواطنين الذين لم يغادروا البلاد عندما صحّ لهم مثل آخرين من رفاقهم السفر والحصول على لجوء سياسي. وهم لم يعمدوا إلى الصمت، بل قالوا ما قالوه ودفعوا الثمن سنوات طويلة من عمرهم في السجون. وهم تحمّلوا نفياً داخل البلاد حينما واجهوا صعوبات في العمل وفي التحرك وفي بناء أعمال، ولو صغيرة. وهم ألزموا عائلاتهم بدفع الأثمان على شكل قهر تعرّضوا له في المدرسة والعمل وفي عدم الحصول على فرص متكافئة مع بقية المواطنين. وهم فوق كل ذلك، من الذين يقفون خلف مراكمات النقد الذي له دوره المركزي في بناء ثقافة المعارضة. ثم إنهم الآن لا يزالون داخل البلاد، ويعرفون عن قرب حقيقة ما يجري، ولا يحتاجون إلى فضائيات ولا إلى شهود عيان ولا إلى أشرطة فيديو ولا إلى نشطاء أو مسؤولين في لجان لا يعرف أصلها من فصلها. هم يعيشون داخل المدن والأحياء ويعرفون حقيقة ما يحصل كل يوم. وهم يلتقون بأبناء وطنهم من الذين يحملون رأياً مختلفاً، ويصادفون رجال الأمن والجيش والموظفين، ويعرفون تفاصيل النقاش الدائر في أروقة السلطة. وهم يلتقون بصورة أو بأخرى مع قادة من الحكم ويناقشون معهم سبل تجاوز سوريا لهذه الأزمة. وهم أيضاً لم ينقطعوا عن التواصل مع سفارات وبعثات أجنبية وناقشوا الوضع وعرضوا ما يعتقدون أنه المناسب لتجاوز الأزمة. وهم شاركوا في تظاهرات، وفي تلقّي ضربات هراوات رجال الأمن، أو ربما بعض الرصاص، وهم عانوا مثل الآخرين من أشياء كثيرة.
كل ذلك، يعطي هؤلاء شرعية وأفضلية على الآخرين، من المعارضين الذين يعيشون في الخارج، والذين رتبوا أمورهم خلال العقود الثلاثة الماضية بما وفر لهم تحصيل شروط أفضل للحياة لهم ولأفراد عائلاتهم. وهم لا يملكون مصالح شخصية أو جنسيات أخرى، أو حسابات بنكيّة أو أبناء لا يريدون العودة إلى الوطن، وبالتالي، ليس لديهم الحسابات التي تتجاوز تفاصيل الحدث السوري، ولا الترف الذي يلجأ إليه بعض المعارضين في الخارج ممّن يدعون إلى تحركات لا يشاركون هم في صياغة حتى شعاراتها، ولا في تحديد خط سيرها، ولا في تلقي الضربات والرصاص، لكنهم يخرجون آخر كل نهار جمعة على الشاشات والفضائيات يتلون صلاة الشكر لمن أتاح لهم الخروج إلى الأضواء، ثم يطلقون العنان لمخيّلتهم في عرض لائحة مطالب مختلفة الشكل والمضمون.
وحدهم الشباب الذين يخوضون العمل اليومي في الشارع من يحق له مساجلة من اجتمعوا في أول لقاء معارض في دمشق، ووحدها عائلاتهم والأبناء والأهل والأصدقاء الذين يعيشون معهم، من يحق له سؤالهم عما فعلوا وإلى أين يذهبون. وربما كانت هذه مقدمة التشكل الأفضل لقوة معارضة تقود حواراً أو معركة مع النظام، لا فرق!