مع صدور القرار الاتهامي في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، أمس، بدت العيون جميعها مسلّطة على منطقة الطريق الجديدة. سارعت أماني إلى تحذير أخيها «الشيعي» بعدم الذهاب إلى المنطقة. حجتها أن الجميع يعرف مذهبه، ولا داعي للمجازفة في ظروف كهذه. شبح 7 أيار عاد إلى الأذهان بسرعة. لوهلة، بدت الطريق الجديدة الحدثَ الثاني بعد القرار. فهي ببساطة حاضنة الشهيد.


تظن أن المنطقة قد حررت نفسها من العمل اليوم. إنه وقت الاحتفال بعد انتظار دام سنوات في البحث عن الحقيقة. تُفاجأ بأن الحركة في الشارع كانت عادية، رغم أن البعض وصفها بالخفيفة نسبياً. بقي كل شيء على حاله. ماذا عن احتمال حدوث اضطرابات أمنية؟ يصرّ «الجديديون» على إبراز ذلك الجانب فيهم الذي لا يخشى «المعتدي». في أجوبتهم ما هو أشبه بردّ الاعتبار لـ«7 أيار». بدا بعضهم متيقّناً من أن «جمهور حزب الله هم من يخشونهم».
الساعة الثالثة من بعد الظهر. كيف هو الوضع في المنطقة؟ يقول يوسف: «ممتاز»، قبل أن يعترف بأن الأهالي «فزعانين. فهم (في إشارة إلى أهالي الضاحية الجنوبية) يهدفون إلى السيطرة على الطريق الجديدة، بل كلّ بيروت».
طلال، من جهته، ظهر مشتت الذهن. الأكيد أنه فرحته متواضعة. «نريد الرؤوس الكبيرة...». الأهم من ذلك أن القرار لم يقدم أي جديد. أحمد الذي كان يجلس بقربه رأى أن المحكمة في الأساس «تجليطة». قال إن «زعيم تيار المستقبل سعد الحريري كان على وشك الاتفاق مع الرئيس السوري على إنهاء المحكمة!».
المشكلة برأي أحمد لا تكمن فقط في المحكمة. فحتى بعد صدور القرار الاتهامي بحق أفراد من «حزب الله»، تبقى النقطة الأهمّ: «هل من أحد قادر على إلقاء القبض عليهم». مرّ خبر تعرّض الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، على شاشة التلفاز المسنودة إلى الحائط بقربه، لاعتداء، فأردف قائلاً: «إذا الرئيس الفرنسي يتعرض للضرب، فكيف يستطيعون حبس المتهمين؟».
أبو محمد لم يتردد في إظهار فرحته. رأى أنه «لا وجود لأفضل من هذا القرار الذي سيحاكم جميع الزعران». عيد أيضاً بدا مرتاحاً. فالقرار هو «بداية النهاية» بالنسبة إليه. قال: «ما صدقنا طلع القرار»، مشيراً في الوقت نفسه إلى فراغ القرار من «هؤلاء الكبار». بالنسبة إلى عيد، لم يظهر إلا نصف الحقيقة. ما زال ينتظر الجزء الثاني المتعلق بسوريا.
لحسين وجهة نظر أخرى. يستنجد بقول في بعلبك: «ما في بالجيش إلا حسين حمية» ليتساءل: «ألا يوجد في العالم غير حزب الله؟».
سعيد انتظر هذه اللحظة منذ سبع سنوات. ظهرت الحقيقة أمس، على حد قوله. يبقى أن «يتم إلقاء القبض عليهم ويعترفوا بجريمتهم». لدى سؤاله عن مدى احتمال حدوث مشاكل: يقول: «أتمنى أن تحدث. إذا ما كبرت ما بتصغر». سعيد يبدو وقد تعب من الخوف. «هناك عجز في إصدار القرارات لأن المسدس على رأسك. حتى ابن الشهيد اضطر إلى الهرب لأنه مهدد بالقتل. رفيق الحريري صنع المقاومة فانقلبوا عليه». لا شك لديه أن سوريا و«حزب الله» متورطان في عملية الاغتيال، «فهما كانا الحاكم الفعلي للبلاد».
الآتي إلى الطريق الجديدة قد يظن أن السعادة بـ«حقيقة القرار الظني» هي السمة الغالبة لدى الأهالي، لتتفاجأ حين ترى أناساً اكتفوا بوصف القرار بـ«العادي». فسبق أن سربت بعض الصحف هذا الخبر. «العادي» تطور إلى مصطلحات أخرى، أفرغت التحقيق من مضمونه لأنه «مسيّس». هؤلاء ليسوا مؤيدين لـ«حزب الله» بالضرورة، لكن الغموض الذي رافق المحكمة منذ إنشائها حرّك الأسئلة في أذهانهم.
اختلف الوضع عند السابعة. مفرقعات. إطلاق نار. السيارات جاثمة في مكانها. ماذا يحدث؟ تمركزت مجموعة من الشباب في الشارع، وبدأوا العزف. الاحتفال بدأ متأخراً إذاً. سيارات الإسعاف جالت في المنطقة، فيما عمد بعض الشباب الى إشعال الإطارات.
أمرٌ ما فقدته الطريق الجديدة. كأن السياسة أنهكتها. حتى إن الفرحين من أهاليها لم يهتموا بـ«الحقيقة» التي طالبوا بها لسنوات. هل هو اللاجديد في القرار، أم أن القرار لم يروِ عطشهم؟ يقول زياد: «راح الغالي، وكل ما سيأتي لم يعد مهمّاً».

في الضاحية

ما تعليقك على صدور القرار الاتهامي؟ سؤال لم يُثر حفيظة ابن الضاحية الجنوبية عبّاس حيدر الذي كان مسترخياً، ظهر أمس، في مقهى «الجزيرة» عند أوتوستراد هادي نصر الله. لم يلفته السؤال، لم تتغيّر تقاسيم وجهه، كأنه لم يسمع شيئاً. فضّل أن يقول «كش داما» لغريمه على طاولة اللعب، قبل أن يلتفت إلى سائله ويجيب بلهجة الساخر: «عن أي قرار اتهامي تتحدث؟ عزيزي، ألم تسمع عن بُركة الماء الكبيرة التي أنشئت في وسط الضاحية؟ سنبلّ فيها ذاك القرار ونسقي ماءه لكل القائمين على المحكمة الدولية». يلتقط حيدر «الريموت كونترول» ويخفض صوت سمير جعجع الذي كان في تلك الأثناء يعقد مؤتمراً صحافياً، ثم يلتفت إلى محدّثه مردفاً: «مهما فعلوا، فإن مشروع إسرائيل قد انتهى، والمقاومة لن تعود إلى الوراء، هل بيدهم فعل أكثر مما فعلوه في حرب تموز قبل 5 سنوات؟». يعيد الرجل الأربعيني تركيزه إلى طاولة اللعب، ليدخل بعده المواطن جهاد بركات على خط الحديث. «لن تجد هنا أحداً يكترث لتلك الكذبة الكبيرة المسماة محكمة دولية، ولا لأي قرار يصدر عنها، لكننا في المقابل نكترث كثيراً لعدم حصول فتنة بين السنة والشيعة، وكلنا يقين بأن هذه الفتنة لن تحصل». لا يرى بركات في القرار الاتهامي إلا «جزءاً من الحرب المفتوحة على المقاومة، لكنهم عبثاً يحاولون. سبق أن اجتمع العالم كله علينا وفشل، واليوم ثمة مشروعان في المنطقة، مشروع فتنة ومشروع مقاومة، وكما العادة لن يكون النصر إلا حليف المقاومة». يضع الشاب «نبريش» الأركيلة على فخذه ليرفع سبابته نحو صورة كبيرة للشهيد عماد مغنية، ويقول: «ترى، هل يخاف من لديه قادة مثل هؤلاء؟ صدّقني، مشكلتهم معنا أنهم لم يفهمونا بعد، أو ربما فهمونا ولكنهم يكابرون، هم مشكلتهم مع مبدأ المقاومة، فليقولوها، كفاهم التلطي وراء عناوين سخيفة».
خارج المقهى، وفي كل شوارع الضاحية، كان المشهد أمس عادياً كسائر الأيام. حركة سير طبيعية وعجقة ناس. ليس ثمة ما يشير إلى صدور قرار اتهامي عن محكمة دولية، يطلب، كما أشيع، توقيف 4 أشخاص من أفراد حزب الله أو مقربين منه. وبعد جولة على مقاهٍ ومحال تجارية في الضاحية، تبيّن أن أسماء المطلوبين التي ذُكرت في وسائل الإعلام غير معروفة لدى أبناء المنطقة. لكن اسم مصطفى بدر الدين وحده، من بين الأسماء المتداولة، استوقف المواطن علي مزنّر، ليسأل إن كان هو نفسه الذي ذُكر سابقاً في تقرير لمجلة «دير شبيغل» الألمانية. وبعد عملية بحث على الإنترنت، أجراها داخل محله المُعدّ لبيع الهواتف الخلوية في منطقة المريجة، تأكّد له ظنّه. بعدها مباشرة قال: «يكفيني هذا دليلاً على أن المحكمة الدولية غير نزيهة، وأنها مُعدة للتوظيف السياسي، وإلا كيف تُسرب منها هذه المعلومات قبل فترة طويلة على صدورها؟ على كل حال، هذا قرار فتنوي باطل، يبلّوه ويشربوا ميتو».
داخل مقهى «أبو عساف» في منطقة الشياح، المعروف ببعض روّداه الذين يتابعون أخبار السياسة، سُمع أحد شاربي القهوة يقول لأصدقائه: «حسناً، وأخيراً صدر القرار الاتهامي، أهلاً أهلاً، فليأتوا إلى الضاحية وليأخذوا المطلوبين إن استطاعوا». تسأله عن رأيه بما يمكن أن يحصل، فيقول لا شيء، فقط «سيسعون الى الفتنة بين اللبنانيين، لكن المقاومة ستبقى بخير».