أذِنَ البيان الذي أصدره المكتب الإعلامي للرئيس سعد الحريري، الأحد الماضي، وحمل فيه بعنف على نظام الرئيس بشّار الأسد واتهمه بارتكاب مذبحة في حماه وأعمال قتل دموية في مدن أخرى، بإطلاق حملات واسعة النطاق لتيّار المستقبل ووسائل إعلامه ضد النظام السوري، وتحميله تبعات مجازر على نحو مشابه للحملتين الأميركية والأوروبية.

بيد أن موقف الحريري أوجد ذريعة إضافية لتبرير عدم عودته إلى بيروت في الوقت الحاضر، مكمّلاً أشهر الغياب عن لبنان منذ منتصف نيسان المنصرم. وبعدما أشاع تيّار المستقبل وحلفاؤه أن الرئيس السابق للحكومة سيحضر إلى بيروت في اليوم الأول من شهر رمضان، كي يثابر على تقليد اعتمده والده الرئيس رفيق الحريري بتنظيم إفطارات للسياسيين والعائلات اللصيقين بهذا البيت، بدا أنه صرف النظر عن هذا التقليد، وعاد من الشاطئ الفرنسي إلى جدة.
كانت قد أجريت اتصالات ومفاوضات مع مجمّع البيال لتنظيم إفطارات يومية تتسع لمئات الأشخاص يخاطبهم الحريري كل مساء. وعمل بعض معاونيه على ترتيب انتقاله إلى مكان الإفطارات، بعدما تعذّر في قريطم وفي بيت الوسط. قيل إن الفريق المحيط بالحريري أعدّ خطة تجعله ينتقل إلى هذا المكان وفق توقيت مختلف تفادياً لتعريضه لأي اعتداء، انطلاقاً من تعميم شائعة أن الرجل لم يعد إلى لبنان حتى ذلك الوقت كي لا تستهدفه محاولة اغتيال. قيل أيضاً إنه عهد، يوم عزم على العودة، إلى معاونيه إعداد خطب الإفطارات ووزّع المحاور عليهم كي تشمل المواضيع الثلاثة الأكثر إثارة للجدل الدائر حالياً، والأكثر استفزازاً لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وتصعيد التوتر بين قوى 8 و14 آذار: المحكمة الدولية، سلاح حزب الله، الاضطرابات في سوريا.
في الحصيلة، لن يعود الحريري إلى بيروت، وسيلزم جدّة طيلة شهر رمضان للذريعة المعلنة نفسها التي قادته إلى المملكة قبل محطة فرنسا في الأشهر الأخيرة، وهي الخوف من اعتداء محتمل على حياته. بيد أن معطيات في حوزة مسؤولين رسميين تحدّثت عن دوافع أخرى مختلفة تبرّر بقاء الحريري في السعودية في الوقت الحاضر، وربما إلى وقت غير محدّد، وترتبط مباشرة بموقف المملكة:
أولها، عدم رغبتها في تعكير عمل حكومة ميقاتي بعد تجاوزها الشكوك التي أحاطت بتأليفها، والحرص على إبقاء الاستقرار السياسي في لبنان في حدود دنيا من الثبات، إذا لم يكن في الإمكان تجنيبه تردّدات الأوضاع المتدهورة في سوريا.
ثانيها، تحاشي توجيه رسالة سلبية إلى سوريا من داخل لبنان يعكسها موقف الحريري، من خلال توسيع دائرة تحرّكه واستفاضته في حملات عنيفة متتالية على دمشق.
كان القريبون من الرئيس السابق للحكومة وحلفاؤه قللوا من وقع بيانه الإعلامي الأخير بالقول إنه لم يتوخَ التدخّل في الشؤون السورية، وإنما كسر صمتاً عربياً حيال ما يحصل في هذا البلد. وطلب هؤلاء عدم تحميل البيان أكثر من وجهة نظر.
ثالثها، أن المملكة ــــ شأن سائر الدول العربية، وخلافاً للحماسة التي تظهرها تركيا وهي جارة سوريا ــــ تتفادى ركوب موجة التصعيد ضد نظام الرئيس بشار الأسد ومحاولة ترجيح كفة على أخرى. وما خلا الدوحة، لم تستضف دولة عربية مؤتمراً للمعارضة السورية، ولا أعلت الصوت تتحدث عن مذابح، الأمر الذي لم تحجم عنه هذه الدول، ولا الجامعة العربية، في انتفاضات تونس وليبيا واليمن، ومصر حتى. إلا أنها تحاذر الخوض في الأزمة الدموية السورية المتصاعدة، وتتصرّف حيالها بحذر وتريّث كاملين، مصدرهما تمييز ما جرى في تلك البلدان عمّا يجري في سوريا.
وهو أن هذه ــــ وإن تكن تواجه حملة معارضة سياسية شرسة مبرّرة تنادي بالإصلاح ــــ تجبه في الوقت نفسه أعمالاً عسكرية خطيرة لا تزال حماه مسرحها. إلا أنها مرشحة للانتقال في وقت قريب إلى مسرح آخر دموي كبير هو دير الزور، بعدما عبرت بأدوار مشابهة في درعا وبانياس وجسر الشغور وتلكلخ والبوكمال.
رابعها، أن دمشق تبادل الرياض حذراً مماثلاً جعلها لا تقطع الاتصال بها تماماً، على طرف نقيض من علاقة الأسد بأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بعدما بلغت أسوأ مراحلها رغم الطابع الشخصي الذي رافقها، وحمل الأمير على امتلاك قصرين له في العاصمة السورية وتشجيع استثمارات ضخمة فيها. إلا أنه لم يغفر للرئيس السوري تعطيل مبادرته حيال لبنان في كانون الثاني المنصرم، وإطاحته رعاية قطر بقاء الحريري في رئاسة الحكومة من ضمن التسوية السعودية ــــ السورية المعدّلة.
لم يسرِ انقطاع العلاقة على خط الرياض ــــ دمشق. في مطلع حزيران الماضي، وكانت اضطرابات سوريا في أوجها، زار معاون نائب رئيس الجمهورية اللواء محمد ناصيف المملكة والتقى الملك عبد الله ونجله عبد العزيز. وتلقى الأسد بارتياح تعيين نجل الملك نائباً لوزير الخارجية في 22 تموز، مؤشراً إيجابياً لعلاقة لم تُحلها برودتها قطيعة، بل يتحدّث البعض العائد من دمشق عن زيارة محتملة ثانية لناصيف للسعودية.