في الحروب الدائرة الآن، على خلفية الثورات العربية، ثمة مصطلح عاد بقوّة ليحتلّ مكانه في أدبيات السياسيين وصحبهم من الكتبة والإعلاميين. وهو مصطلح «تقاطع المصالح».

في تونس، خرج ليبراليون من الصنف الرديء، وإسلاميون من التيار الانتهازي «ما غيره»، يشكرون الولايات المتحدة وأوروبا على وقوفهما إلى جانب الثورة التونسية التي أطاحت الرئيس زين العابدين بن علي. وفسّر هؤلاء مواقف الغرب الحليف لبن علي تاريخياً بأنها تعبّر عن تبدّل في المصالح، وبالتالي لا بأس بها إن هي تقاطعت مع مصالح الثوار.
في مصر، بادر الجيش إلى الانسحاب من معركة الرئيس حسني مبارك وحزبه، بعدما أدرك استحالة إبقاء الرجل في منصبه. ثم إن مصالح المؤسسة العسكرية التاريخية قد تتعرض للأذى إذا وقفت إلى جانب الحاكم. وقرّر المشير طنطاوي وفريقه إعلان أنهم مع الشباب ومع الثورة. وراح بعض الانتهازيين وجماعة الحاكم يشيدون بالجيش وقيادته وحكمته، ثم لم ينسوا أن يشكروا وقوف الغرب إلى جانب قضيتهم المحقة. وقبل أي استفسار، يعاجلك هؤلاء بالقول: هذا ليس موقفاً مبدئياً، إنه مجرد تقاطع مصالح.
في ليبيا، برّر عملاء الناتو، ولا يزال بعضهم يفعل ذلك إلى الآن، استدعاء الغرب لتدمير ليبيا بأنه أمر ضروري من أجل إنقاذ الشعب من مجزرة محتمة كان القذافي في طريقه إلى تنفيذها. ولما جرى لفت انتباه الثوار إلى أنه يصعب توقّع ثورة نزيهة أو نظيفة إذا مدّت يدها إلى الغرب الذي كان يتسوّل أو يسرق الأموال من العقيد ويمجّده، ردّ هؤلاء بقوة: هذا ليس تحالفاً، إنه تعبير عن تقاطع المصالح، مع الإشارة إلى أننا لم نفهم لماذا يستمر هذا التقاطع بعد سقوط القذافي وتواريه عن الأنظار، ولماذا استدعاء الناتو من جديد لتدمير سرت وبني وليد على رؤوس أهلها، علماً بأنه لا يحق لأحد، بما في ذلك القذافي، استدعاء آخرين من أمثال الناتو أو من هو أردأ منه، من أجل إنقاذ أهالي سرت من مجزرة قائمة، ولن يقبل منه القول إن ذلك قد يكون تقاطعاً للمصالح.
في اليمن، تقاطعت مصالح النظام الحاكم وقيادات قبلية وعسكرية مع مصالح آل سعود ومصالح الولايات المتحدة ودول غربية كثيرة عند ضرورة عدم مغادرة علي عبد الله صالح الحكم الآن، قبل إنجاز تسوية تضمن البديل المناسب لهذه القوى. لكن يمنع على الثوار أن يفتشوا عن مصالحهم مع أحد آخر يجنّبهم المزيد من القتل والدماء.
في البحرين، وجد الحكم التافه هناك، ومعه فئة تسرق البلاد منذ استقلالها، أن المصالح تتقاطع مع دول الخليج ومع الاحتلال الأميركي من أجل سفك دماء غالبية شعبية موصوفة تريد حقها في المواطنة لا أكثر. وإعلام النفط الذي لا يزال يحجب صورة الجريمة هناك، يبرر فعلته بأنها تقاطع مؤقت للمصالح، بينما يمنع على معارضين بحرينيين الاستعانة، ولو إعلامياً، بأي أحد في العالم، ولو كان على سبيل تقاطع المصالح.
أما في سوريا، فيبدو أن تقاطع المصالح صار شبكة من الطرقات التي تتقاطع فيها المصالح هنا وهناك. يقول معارضون إن دول الخليج العربي ليست أهلاً لإعطاء أحد درساً في الديموقراطية والمساواة والحرية، لكننا نتحالف معها الآن، ونلجأ إلى ديارها لعقد اجتماعات أو نيل دعم إعلامها، فقط على سبيل تقاطع المصالح.
ثم يقول معارضون، من فئة ثانية، إن التواصل مع الإدارة الأميركية ومع الإدارتين الفرنسية والبريطانية، ومع الإدارة التركية، ليس بقصد جلبهم إلى سوريا لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد بالقوة. لكن لا بأس من تعاون، ولو أدى إلى مرحلة التدخل، وذلك يجري وفق مبدأ تقاطع المصالح لا أكثر.
أمس، تدخل نافذون في المجلس الوطني الخاص ببعض المعارضين السوريين لدى السلطات الأمنية والدبلوماسية الفرنسية من أجل منع رفاق لهم في المعارضة السورية من عقد مؤتمر صحافي في باريس. وقد وافقت سلطات باريس على أداء هذا الدور القذر، ليس حدّاً منها للحريات، بل فقط لأجل تقاطع المصالح مع تلك الفئة من المعارضين. وهؤلاء كانوا أمس يحاولون رشوة روسيا والصين بالقول إنه إذا تخلّت موسكو وبكين عن دعم الأسد، فإن هذه المعارضة التي تعدّ نفسها لحكم سوريا ستراعي مصالح هاتين الدولتين، وهي ستقبل عندها بتقاطع مصالح معهما كما هي الحال الآن مع أوروبا وأميركا.
سؤال: هل يمكن أن يحصل تقاطع مصالح في الجانب الآخر أم ذلك ممنوع؟
هل يحق للأسد أن يتحالف مع روسيا والصين وإيران والعراق بخلفية تقاطع المصالح؟ هل أميركا أقرب إلى سوريا وشعبها من إيران؟ هل الأرعن نيكولا ساركوزي أقرب إلى سوريا من هيوغو تشافيز؟ أو أن بريطانيا أقرب من البرازيل أو جنوب أفريقيا؟
هل سعد الحريري وأمين الجميّل ودوري شمعون أقرب إلى الشعب السوري ومصالحه أكثر من حزب الله والقوميين وفئة كبيرة من اليساريين؟ أم ان وليد جنبلاط أدرى بمصالح سوريا من طلال أرسلان ووئام وهاب؟ ألا يقلق برهان غليون من أن قاتلاً مثل سمير جعجع يرحّب بمجلسه الوطني ومستعد لدعمه؟ أم هو مرتاح لأن متظاهرين في طرابلس رفعوا الجمعة صورة عدنان العرعور وأعربوا عن ثقتهم بأن المجلس يمثّل الشعب السوري...؟ هل هو أيضاً تقاطع مصالح؟
هل هناك من داع للسؤال، أم قواعد جورج بوش لا تزال سارية المفعول: إما معنا أو ضدنا؟