تسلم الرئيس فؤاد السنيورة زمام المبادرة وموقع القيادة. بعد فترة من الضياع وإعادة ترتيب البيت الداخلي نتيجة نكسة هجرة الرئيس سعد الحريري، باشر السنيورة وضع قواعد جديدة. طموح السنيورة يتعدّى اليوم موقع رئاسة الحكومة ورئاسة كتلة المستقبل وإدارة شؤون التيار. فهو يبحث عن موقع آخر. بات يشعر بأنّ في إمكانه التطوّر في الحياة السياسية والاستمرار بها مرجعيةً يحسب لها الحساب. قبل أكثر من أسبوع، جمع السنيورة كتلة المستقبل والمكتب السياسي في التيار الذي لم يلتئم منذ قرابة 8 أشهر. ترأس الهيئتين معاً، وظهر في موقع السلطة رغم أنّ الاجتماع لم يتخلّله سوى نقاش سياسي معتاد: المحكمة الدولية، الحرية للشعب السوري إضافة إلى التشديد على نقاط أخرى، كإسقاط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي.

لكن الاجتماع المذكور لا يعني أن أمور الرئيس الأسبق للحكومة داخل التيار تسير على ما يرام. فهو لا يمسك الشؤون التنظيمية، ولم يستطع حتى اليوم إقناع قيادة التيار بكل أفكاره ونياته. فأسئلة الأمين العام للتيار، أحمد الحريري، معوقات أمام السنيورة.
أما في الكتلة النيابية، فيبدو السنيورة خير قائد لها. ينجح في كبح جموح عدد من النواب ويعمل للسيطرة على «سقف» البيانات بما يتناسب مع الظروف. وهو بالطبع يتقدّم على الرئيس سعد الحريري في هذا المكان لما للأخير من انشغالات في قضايا ومشاريع أخرى، سياسية ومالية.
تبقى أمام السنيورة مهمّة إدارة لعبة مواجهة الحكومة. وبحسب مقرّبين من رئيس كتلة المستقبل، «حان موعد إلقاء القبض على الحكومة». بمعنى آخر: الرئيس نجيب ميقاتي عاجز عن استكمال عهده وسيسقط، إن لم يكن اليوم فبعد حين. مجالس الرئيس السنيورة بدأت بالتوسّع، وهو ينوي العمل على شريحة قادرة على التأثير. فيأمل أن يكوّن نواة تستطيع مجاراته في تنظيم المعركة ومناقشة الآليات التي يصوغها مع من حوله وتنفيذها. جهده ينصب على تكوين لجان عمل سياسية وإعلامية من أهدافها التصويب على الحكومة ومعالجة القضايا التي ستشغل مجلس الوزراء، فتعمل هذه اللجان على «القوطبة» على الوزراء وإبراز نقاط ضعفهم وتحديد الأخطاء التي يرتكبونها وهم يؤدّون مهماتهم.
لهذه الغاية، اجتمع السنيورة إلى مجموعة من إعلاميي تيار المستقبل والمؤسسات الإعلامية التي تدور في فلكه. حصل هذا الاجتماع قبل أيام في مكتب السنيورة الذي عرض تقريراً مفصلاً عن عمل الحكومة والمشاريع التي تطرحها. تحدث عن النفط ومشروع الكهرباء ورفع الأجور والموازنة العامة، وتوقف طويلاً عند ملف الاتصالات. في الخلاصة، يقول السنيورة لنواة لجنة العمل الإعلامية إنّ الحكومة الحالية تقوم بكل ما سبق أن قامت به الحكومات المتعاقبة. وبحسبه، يكرر الوزراء الخطوات نفسها، وأنّ الطاقم الحالي لم يجد أي إضافة يتمايز بها عن أسلافه.
ثمة حديث عن « الإعداد لضربة قاضية». يبني السنيورة هذه القراءة وآلية عمله على قاعدة أنّ «النظام السوري ساقط حتماً والوقت ليس بعيداً ليبرهن عن ذلك».
وداخلياً، لا يزال السنيورة يحتفظ بوجهة نظره حيال حزب الله. بحسبه، حالة الحزب هي كالحالات السابقة التي حاولت الإمساك بالبلد. يذكر تجارب حزب الكتائب والحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية. يخلص: «ليس أمام حزب الله سوى العودة إلى الدولة ومؤسساتها، وخارجها لا حياة له».
السنيورة متفائل بسير الأمور، في الداخل وفي المنطقة، في أداء الحكومة وسقوط الطغاة العرب. يعد جميع من حوله بمستقبل يشرق فرحاً وحرية بعد انفراط المعوّقات السياسية والنفسية. تفاؤل السنيورة يشعره بتفوّق على الجميع، أكان في مضمون كلامه أم شكل تقديمه أمام الزوار والضيوف. لكن سرعان ما يعود السنيورة ويراجع حساباته، فيعيد النظر بخطاب خصومه ومواقفهم ليقع في حيرة أمور يظنّها حلفاؤه منتهية ومحسومة إيجابياً. أولى هذه القضايا، مواقف الكتل الوزارية من المحكمة الدولية وتمويلها. ترى معظم قيادات 14 آذار وشخصياتها أنّ التباين والاختلاف الوزاري في هذا الملف يمثّلان المعوّق الأساسي أمام استمرار حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وأنّ لحظة اشتعال هذا السجال في بعبدا أو السرايا الحكومية ستكون لحظة إسقاط ميقاتي، فيهلّلون لهذه الأفكار ويسوّقونها في مجالسهم كأي مناصر أو مواطن يتابع الشؤون السياسية عبر شاشات نشرات الأخبار.
لكن النائب الصيداوي يضع جميع الاحتمالات نصب عينيه. يدوّنها في رأسه ثم ينقلها على أوراقه ليعرضها في مجالسه. فهو يبقى على احتمال أن يكون التباين الحكومي بشأن المحكمة مراوغة اتّفق عليها الفريق الحاكم. يعطي هذا الاحتمال حقّه برفع نسبته المئوية بين باقي الاحتمالات ليختلف مع حلفائه بأنّ التفاؤل غير صائب في هذا الخصوص، داعياً إلى التقاط المزيد من الإشارات وتوسيع دائرة النقاشات، نوعاً، لتشمل بعض من هم أقرب إلى السلطة. بمعنى آخر، يلجم السنيورة كل محاولات بتّ هذا النقاش، ويشدد على أنّه لا رؤية واضحة لكيفية معالجة الحكومة لهذا الملف، وبالتالي على فريق المعارضة تهيئة نفسه لكل الاحتمالات وعدم بناء القصور على رمال عمشيت وفردان وكليمنصو.
اليوم، يحمل الرئيس الأسبق في جعبته ورقة تقضي بتصعيد المواقف تجاه سوريا وإيران، وهو ما يقوم به حلفاؤه منذ أيام في الإعلام ومجلس النواب. وباتت كلمات السنيورة تتلخّص وفق الآتي في أروقة تيار المستقبل وقوى 14 آذار: «الحقوا الخصوم بالشاردة والواردة وأوقعوهم كلما سنحت لكم الفرصة».