مشاهد الموت الآتية من مناطق حمص وإدلب وحماة لا تشمل هذه المرة صوراً يبثّها محتجّون على مواقع إلكترونية عن تعرّضهم للملاحقة وإطلاق النار من قبل قوات الأمن السورية. حتى الجهات الحقوقية التي تتولى عادة إعلان إحصاءات عن القتلى والجرحى والمعتقلين، باتت تشير بالاسم وبالتوصيف المباشر إلى عمليات القتل الجارية على خلفية طائفية ومذهبية، بينما تورد وكالات الأنباء ما يناسب كلاً منها عن هذه التوترات. لكن ما ينقله الناس من هناك هو أفظع، ويدلّ على أن سوريا قد تُقبل على ما هو أكثر فظاعة إن لم يُتدارك الأمر.


أمس، دعت التنسيقيات إلى تظاهرات اليوم الجمعة، مشدّدة على الطابع السلمي. هي تدعو إلى ذلك منذ اليوم الأول لتشكّلها. لكن الإصرار على الطابع السلمي هذه المرة، يدلّ أيضاً على الخشية الموجودة عند هؤلاء من تعميم صورة العنف التي تسم حركة الاحتجاجات في مناطق عدة من سوريا على كل الحراك الشعبي السوري. والعنف هنا ليس عنفاً من النوع الذي يشير إلى مواجهة بين فئتين أو فئات معروفة الأسماء والوجوه والأهداف، بل هو عنف «الفوضى الدموية» التي يراد لسوريا أن تغرق فيها. وهي فوضى يعرفها العالم جيداً، ويعرفها العراقيون واللبنانيون أكثر من غيرهم من شعوب المنطقة ودولها.
وبينما يركز الكل في سوريا وخارجها على طبيعة المناخات التي ستسود خلال الأسبوعين المقبلين، ربطاً بإعلان التفاهم بين الحكومة والجامعة العربية على مبادرة تهدف إلى حل الأزمة من أساسها، فإن في قلب المشهد اليومي من لديه جدول أعمال آخر. وهذه الفئة لم يعد بالإمكان اعتبارها مجرد مجموعات صغيرة لجأت إلى «العنف الأهلي والعشوائي» رداً على ممارسات السلطات السورية بحق المحتجين، قتلاً واعتقالاً. بل تحولت هذه الفئة إلى حالة تقدر على تنظيم أمورها وعلى اختيار أهدافها وعلى معاينة من سوف تقتلهم، وتقدر على تنفيذ تهديداتها التي لا تصل إلى الفضائيات العربية، وتقوم بعمليات مجنونة من النوع الذي يمكن وصفه بالأعمال التدميرية للمجتمعات الأهلية، حيث يصار إلى عمليات التطهير الطوعي أو القسري لعدد من الأحياء والبلدات. كذلك يصار إلى تكريس فرز على أساس طائفي ومذهبي، بين من يرى نفسه في قلب ثورة تريد إسقاط النظام، وآخرين متهمين بأنهم يدافعون عن النظام. والروايات الآتية من سوريا تتحدث عن طلاب من طوائف معينة طُردوا أو أُبعدوا عن مدارسهم في قرى باتت ذات صفاء طائفي، وتتحدث عن عمليات نزوح من منطقة إلى منطقة هرباً من الانتقام الطائفي الدموي، إضافة إلى الأخبار الساخنة عن الكمائن التي تنصب لحافلات مدنية تقل مسافرين بين المدن، أو موظفين في إدارات رسمية، وحيث يصار إلى فرز الركاب وفق أساس طائفي بغيض، ليصار إلى إطلاق من يجب إطلاقه وقتل من يجب قتله. حتى عمليات القتل تحصل بطريقة وحشية، تعيد صورة القرون الوسطى، أو تلك التي عملت جماعات تكفيرية مجنونة على زرعها في الوعي العام في العراق قبل سنوات.
حتى اللحظة، ليس هناك ما يشير إلى قدرة لأي جهة، بما في ذلك النظام، على الإمساك بالأمور وضبطها بطريقة حاسمة. وكل المعلومات عن العمليات العسكرية أو الأمنية التي يقوم بها الجيش أو الأمن في سوريا، تشير إلى أنها تنتهي عملياً في إطار النزاع نفسه، لأن الناس منقسمون حول ما تقوم به السلطات. ومن هو معارض للنظام يرى في عناصر الجيش والأمن أعداءً له يجب التخلص منهم، وهو يطلق عليه صفات تمتّ إلى انتماء مناطقي أو طائفي أكثر من اعتبارهم خصوماً أو جيش الخصوم.
ولأن لا أحد يقدر على وضع تصوّر عملاني للتخلص من هذه الحالة، فإن النقاش بشأن ما يجب القيام به يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، حيث لا يزال كثيرون يصرّون على اتهام النظام، ليس بالمسؤولية عن وصول الأمور الى هذا الحد، بل بالحديث عن أن مجموعات القتل هذه إنما تنتمي إلى النظام وأجهزته. وحجة أصحاب هذه الوجهة أن النظام يسعى إلى خلق فتنة طائفية تمدّ في عمره. لكن أصحاب هذا المنطق لا يملكون الحجج الكافية لإقناع الناس من حولهم بهذه الحكاية، وخصوصاً أن مجموعات كثيرة انسحبت من تحرك احتجاجي لامس حدّ الحرب الأهلية والمذهبية. وهي حرب لا تبقي بلداً حتى يُعمل على إصلاحه.
وبمعزل عن قدرة الإعلام العام المسيطر على معظمه من قبل خصوم النظام في سوريا، أو النشاط الدعائي لأجهزة استخبارات تابعة لحكومات تعارض بقاء النظام السوري، إلا أن المشهد الدموي على الأرض، والأنباء المتداولة بين الناس الموجودين هناك أو بالقرب من المسرح الدموي، إنما يؤديان عملياً إلى رفع مستوى التوتر بين السكان، ويدفعان إلى الاعتقاد بقوة أن الحراك الشعبي السوري الذي انطلق قبل بضعة شهور، إنما دخل في نفق الجنون، ما يعني أنه لم يعد بالإمكان الحديث عن سلميّته، ولا عن شرعيته، ولا عن استقلاليته، علماً بأن هذا الكلام لا يعني مطلقاً منح الشرعية، لا السياسية ولا الأخلاقية، لارتكابات قوى النظام ومسلّحيه ضد الخصوم.