شبكة اتصالات حزب الله الداخلية دشنت امس خطاً ساخناً، او هاتفاً احمر، موصولاً بين حارة حريك وبكركي. وهو جاء نتيجة اولى للتواصل المكثف بين الجانبين على اثر وصول المطران بشارة الراعي الى سدة البطريركية. أول من امس، استقبل الأمين العام لحزب الله وفداً يمثّل الراعي ضم المطران بولس مطر وعضوي لجنة بكركي للحوار الاسلامي – المسيحي المطران سمير مظلوم والأمير حارث شهاب.

جاء هذا اللقاء وما نجم عنه من اتفاق ليضع حداً لكل القراءات التي وضعها البعض قبل عشرة أيام بأنّ الراعي تراجع عن موقفه الباريسي الداعم للمقاومة، وأنه بدأ عملية مراجعة لمواقفه. كانت هذه التحليلات قد بنيت على ما تضمّنته عظة البطريرك في11 الجاري، حين طالب بحصر السلاح بالدولة. سرعان ما أوضح الراعي هذا الموقف في مجالسه مؤكداً الثبات على دعم المقاومة. وقال مسؤول رفيع في الحكومة انه استفسر عن خلفية التصريحات، فجاء الجواب من الراعي واضحاً: «انا لا اقصد سلاح المقاومة، بل السلاح الذي اشار اليه السيد نصر الله قبل مدة». علماً ان مقرّبين من بكركي فسّروا الأمر على أنه «تنفيسة للّقاءين اللذين جمعا الراعي بجيفري فيلتمان والسفيرة الأميركية في بيروت مورا كونيللي»، وأن الموقف اثار بعض البلبلة في أوساط بكركي نفسها كما في اوساط حزب الله وقوى 8 آذار، من دون أن تكون لهذه البلبلة أية ذيول.

3 ساعات «استراتيجيا»

جاء لقاء أول من أمس لتأكيد التواصل بين الطرفين والرغبة الثنائية في تعميقه، خصوصاً أن المعنيين يشددون على أنه جرى تأكيد ترتيب العلاقة وتفعيل عمل اللجنة المشتركة، وهو الأمر الذي «سيساعد على تبديد أي سوء فهم وعلى حل أي أزمة طارئة ممكن أن تنشب».
يؤكد المعنيون أنّ الاجتماع استغرق نحو 3 ساعات، شهدت في معظمها نقاشاً للوضع في لبنان والمنطقة مع توقف امام ما يجري في سوريا وما يخص المسيحيين. قال مشاركون إن المجتمعين لم يناقشوا ملف السلاح على أساس أنّ «ثمة موقفاً واضحاً للبطريرك بهذا الخصوص، وهو يتعامل بواقعية وتفهّم مع هذا الملف ويدعو إلى معالجة أسباب وجود هذا السلاح». يضيف المعنيون أنّ نصر الله كان مهتمّاً بعرض وجهة نظر الحزب من مختلف الأمور، وتشارك مع ضيوفه في «ملامسة جوهر الأمور وهواجس الطرفين».

ماذا سمع نصر الله؟

يقول المطّلعون إنّ الموضوع الأساسي الذي تناوله المجتمعون هو الملف السوري، حيث شدد ممثلو الراعي على «أهمية التعايش الإسلامي ــــ المسيحي، وضرورة حفظ الوجود المسيحي في المنطقة»، ما فتح الأبواب لمناقشة الأوضاع في سوريا. فسجّل الضيوف قلقهم من انهيار النظام، ونقلوا عن الراعي إشارته إلى «أننا نأمل بربيع عربي حقيقي، لكننا الآن لسنا في ربيع عربي إنما في شتاء عربي قاس».
وفي السياق نفسه، نقل الوفد تخوّفه من عمليات تهجير قد يتعرّض لها المسيحيون في سوريا، فقدّموا للسيد نصر الله العديد من الوقائع التي يتعرّض لها المسيحيون وتحديداً في حمص. الأمر الذي ترك انطباعاً لدى قيادة الحزب بأنّ البطريركية مطلعة تفصيلياً على ما يجري سوريا بحق المسيحيين وباقي الأقليات.
ردّ نصر الله على هذه المخاوف بالإشارة إلى أنّ مسار الأمور في سوريا «يتّجه نحو الهدوء، وأنّ الأوضاع تتحسّن وباتت أفضل من السابق»، ما ترك آثاراً إيجابية لدى الزوار الذين خرجوا «مرتاحين ومطمئنين» بحسب أحد المشاركين. لكن ذلك لن يكون له تأثير مباشر على ما يتعلق بزيارة محتملة للراعي الى سوريا، اذ إن بكركي تجد أن الوقت لم يحن بعد لخطوة من هذا النوع في الظروف الحالية.
ويمكن تلخيص اللقاء بالنقاط الآتية: أولاً، جرى وضع العلاقة على سكّتها الصحيحة، وهي علاقة يجب بناؤها على الثقة المتبادلة، والتأكيد أن ليس من «أزمة ثقة» بين الطرفين. ثانياً، جرى التخلّص من آثار المرحلة السابقة، عهد البطريرك صفير، على الرغم من أنّ صفير بادر عام 1992 وأطلق «لجنة بكركي للحوار مع حزب الله».
وفيما امتنع المطران مطر عن التعليق على اللقاء لكونه يعني بكركي وليس أبرشية بيروت، أشار شهاب إلى أنّ «مجرد عقد اللقاء أمر إيجابي» ، مشدداً على اقتناع البطريرك الراعي بالحوار سبيلاً لحل الخلافات. وأكد شهاب أنه جرى خلال اللقاء التأكيد أنّ اللبنانيين معنيون بما يحصل حولهم، من دون أن يعني ذلك نقل الأزمات إلى الداخل. أضاف أن اللجنة الثنائية ستتابع أعمالها بدفع أكبر، وأن وتيرة عملها ستخف أو تقوى بحسب المستجدات.
وفي ما يخص الملفات الأخرى التي جرى تداولها خلال اللقاء، يشير المعنيون إلى أنه تم «الحديث بشكل عابر عن قانون الانتخابات، وأهم ما جاء فيه أنّ البطريركية مستعدة لمناقشة أي طرح، وأنها غير متمسكة بالمشروع الأرثوذكسي».
وتضاربت المعلومات حول ما إذا كان المجتمعون قد ناقشوا قضية لاسا، إذ نفى البعض التطرّق إلى الموضوع، فيما أكدت مصادر أخرى أنّ هذا الملف طرأ على الجلسة «لكون بعض التفاصيل استجدّت وتتمثل بمنع بعض التقنيين من القيام بمسح جغرافي في المنطقة». وتتابع المصادر مشيرة إلى أنّ الزوار سمعوا أنّ حزب الله «لا يغطّي أي فرد أو عائلة، والحزب ملتزم بما سبق واتفق عليه، وعلى القوى الامنية تنفيذ هذا الاتفاق».

الراعي والاميركيون

وعلى هامش لقاء أول من أمس، خرجت أجواء واضحة عن المحيطين بالبطريرك تتناول لقاءه الأخير بالسفيرة كونيلي، فأشار هؤلاء إلى أنّ الأخيرة زارت بكركي لاستكمال ما بدأه فيلتمان قبلها بأيام من ممارسة المزيد من الضعوط على الراعي. فحثّت كونيلي البطريرك على قطع علاقته بحزب الله مشيرةً إلى أنّ سلاحه هو أساس كل المشكلات والأزمات في لبنان. فردّ الراعي بإعادة تأكيده مقاربته الباريسية والاميركية للموقف من سلاح المقاومة، منتقداً أداء واشنطن التي «لا تساهم في تسليح الجيش وتطوير قدراته، ولا في الزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة أو حتى لوقف انتهاكاتها اليومية للسيادة اللبنانية»، أضاف: «حتى مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، فأنتم تعارضون مبدأ عودتهم». اضاف الراعي «انتم تطلبون قطع العلاقة مع حزب الله، وهو الذي يمثل طائفة كبيرة جدا في البلاد، ونعيش معه في كثير من الاماكن، وهو حزب له نوابه وله حضوره داخل الحكومة ايضاً، بينما نحن نعتقد بأهمية العيش معاً».
لم تجد كونيلي أمام خطاب البطريرك ما تبرّره، فانتقلت الى الشق الثاني من الملف وعبّرت عن رغبة في صدور موقف واضح للبطريركية من الأحداث في سوريا، وإدانة النظام هناك سائلة عن «الموقف التاريخي للكنيسة المارونية»، ومتحدثة من دون مقدمات عن أن «واشنطن ستضمن أمن واستقرار المسيحيين في سوريا».
لكن البطريرك الراعي سارع الى الرد عليها بالقول «بلادكم لم تفعل أي شيء للمسيحيين في فلسطين، ومن ثم لم تفعل شيئاً في العراق حيث كان جيشكم، وها هي تنظر دون اي خطوة الى ما يجري في مصر، وليس من عاقل منا يقبل بقولكم انكم ضمانة للوجود المسيحي لا في سوريا ولا في اي مكان من المشرق».