عندما يتكلّم يانيس فاروفاكيس، يكون الحديث مُختلفاً. عرفنا هذا العالم/ الكاتب من قبل عندما عرضنا مؤلّفه عن مفاوضاته مع رئاسة الاتحاد الأوروبي بخصوص إعادة جدولة ديون اليونان. قهر أولئك الآباء الذين ظنّوا أنفسهم آلهة يجب أن تطاع. مارس معهم «لعبته» المُفضّلة المُسمّاة «نظرية اللعب/ GAME THEORY». قادة الاتحاد الأوروبي لم يتحمّلوا طريقة تفاوضه التي حطّمت أعصابهم، فطالبوا رئيسه بالاستغناء عنه؛ حرفياً: (نريد) بالغين في الغرفة (أي في غرفة التفاوض). رئيس الوزارء اليوناني اليساري خضع لإملاءات اليمين الأوروبي؛ يقال إنهم هدّدوه بانقلاب عسكري أو بحرب أهلية إن لم يخضع. مطلبهم ذاك كان عنوان مذكّرات الكاتب عن التفاوض مع قادة الاتحاد، والتي تعدّ الأهمّ في القرن الحادي والعشرين، لأن صاحبها كان يُسجِّل سرّاً كل أحاديثه معهم، فجاءت استثنائية من ناحية قيمتها التاريخية وغير ذلك.

يعود يانيس فاروفاكيس السياسي والناشط ووزير المالية اليوناني الأسبق هذه المرّة بمؤلّف صغير، لكنه مهمّ، عن الاقتصاد وتاريخ الرأسمالية، على شكل حديث إلى ابنته الصغيرة (حينذاك)، مُنطلقاً من رأيه أن من لا يستطيع شرح شيء لطفل فهو لا يفهمه أصلاً، باعثاً الحياة فيه عبر تحويله إلى تطبيق عملي عن الاقتصاد والرأسمالية.
يانيس فاروفاكيس من أهمّ الاقتصاديين في العالم، وهو يستعين في مؤلّفه بالدراما اليونانية وبحكايات سائدة في بلاده وفي الغرب عموماً، ليشرح بلغة مُبسّطة ومُحبّبة الاقتصاد، مع أنه يبدأ بالقول إنه ليس اقتصادياً، على الرغم من أنه حاصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد.
يشرح ما الاقتصاد وما منبع أهمّيته؛ ما مصدر المال وما مصدر الديون؛ وما مصدر الثروة وما مصدر اللامساواة. إنه يجيب عن الأسئلة المرتبطة بالمال والدين والسلطة وعدم المساواة. فالاقتصاد، دوماً بكلمات الكاتب، قادر على صياغة حيواتنا وعلى تدميرها أيضاً، وهذا كلّه يجعله ملحمياً، ما يدفع الكاتب إلى الشرح اعتماداً على الذكريات والخيال والتاريخ والخيال العلمي؛ مثلاً «THE MATRIX, V FOR VENDETTA».


يرى الكاتب أن هدف الاقتصاد حلّ مشاكل البشرية، لكن الأمر انتهى به إلى أن يكون مصدرها. ويوضح أن حلّ مشاكل العالم يقتضي معرفة حقائق، ومنها من يطالب بحرّية المال، ويقول: إن نظامنا المالي أُعِدّ لخدمة الأثرياء ولإثرائهم أكثر فأكثر، ولمصادرة ما في جيوب الفقراء. ما لم نتعلّم هذه الحقائق وندركها فسنبقى عبيد هذا النظام المالي وواضعيه. هذه العبودية المفروضة تستخدم أسلحة مختلفة وتوظِّفها لإبقائنا في أماكننا، ومنها الإيديولوجية واللاهوت مع المعادلات وقفزة أرخميدس.
يختار فاروفاكيس الأحداث المهمّة في التنمية ويقارنها بردود المجتمعات الأخرى، والتي تؤدّي جميعها إلى النظام الاقتصادي الحالي، مستخدماً أدوات أدبية للإجابة عن الأسئلة ذات الصلة لابنته البالغة من العمر أربعة عشر عاماً. يبتعد عن الإشارة إلى أسماء، مثل كارل ماركس، لكنّه يقدم عملاً أدبياً مرموقاً. على المرء قراءة هذا المؤلّف الصغير ليكتشف عذوبة لغته وانسيابيتها ونسجه الأدب في تفسيراته، مع شرح كامل لكلّ ما له علاقة بالاقتصاد. فعلى سبيل المثال، يستخدم رواية شتاينبك «عناقيد الغضب» ليشرح أسباب حدوث تباطؤ اقتصادي ووجود بشر يتضوّرون جوعاً مع أن مزارعين يُتلفون محاصيلهم الزائدة بهدف رفع أسعارها. كذلك يوظِّف روايتي فاوست ودكتور فاوستوس لتوضيح طبيعة الديون ومشاكلها. يوظّف أمثلة عملية لشرح مسائل نظرية يمكن لأي مراهق فهمها، فيأتي بمقارنة حيَّة بين عرض النقود وسوق السجائر في معسكر لأسرى الحرب الألمان، لشرح التضخّم والانكماش وأسعار الفائدة. في المعسكر تلقّى السجناء طروداً من الصليب الأحمر شملت الطعام والسجائر والشاي والقهوة. بمرور الوقت، كما هو الحال في السجون في جميع أنحاء العالم، أصبحت السجائر العملة التي يتمّ بها الاتجار بالسلع الأخرى. بين الحين والآخر، كان على الصليب الأحمر وضع المزيد من السجائر في السلل، ما يعني أنه مع زيادة عدد المتداولين في المخيّم، كانت قيمتها تقلّ، وبالتالي ستكون هناك حاجة إلى المزيد لشراء الكمّية نفسها من البضائع. بكلمات أخرى: التضخّم.
في المقابل، بعد غارة عنيفة على المعسكر، هبطت الأسعار، فحصل انكماش. ولأن السجائر صلبة، مثل الأصداف والمعادن الثمينة، التي يمكن استخدامها عملة، فيمكن توفيرها. وفي الوقت المناسب ظهر «المصرفيون» في المخيّم الذين سيقرضون السجائر، ما يضمن أن المقترِضين سيدفعون أكثر ممّا كانوا قد اقترضوا. في أوقات التضخّم، عندما كانت قيمة العملة غير مؤكّدة، ارتفعت أسعار الفائدة، والعكس صحيح. جزء أساسي من هذا التشبيه هو أنه عندما سلّم الصليب الأحمر السجائر (أي: عرض النقود/ Money Supply)، كان قادراً على تأدية دور البنك المركزي المستقلّ حقّاً. لكن في حين أن البنوك المركزية لمعظم الاقتصادات المتقدّمة في العالم مستقلّة صورياً، فلا يمكن لهذه المؤسّسات القوية، المسؤولة عن السياسة النقدية أن تتصرّف خارج السياسة. فبدلاً من أن يكون البنك المركزي مُحايداً مثل الصليب الأحمر، تكون النتيجة هي أن الأمر «انتهى إلى بنك مركزي تظل قراراته سياسية كما كانت دائماً، باستثناء أنه ليس خاضعاً لإشراف البرلمان».
الاقتصاد قادر على صياغة حيواتنا وعلى تدميرها أيضاً وهذا كلّه يجعله ملحمياً


ما يجعل هذا المؤلّف مُمتعاً للغاية، هو الطريقة التي ينسج بها كاتبه الأدب في تفسيراته. إنه يستخدم رواية شتاينبك الآنفة الذكر لشرح سبب حدوث تباطؤ اقتصادي، ويوظِّف روايتي فاوست ودكتور فاوستوس لتوضيح طبيعة الديون والمشاكل المرتبطة بها؛ كما يستخدم «The Matrix» و«Blade Runner» لشرح ولادة التكنولوجيا والآثار المُترتبة عليها. كما يوضح أسباب ظهور الطفرات والإفلاسات، وكيف أن الرأسمالية ماضية في درب الدمار، ويلقي أسئلة فلسفية عميقة من فاوست إلى فرانكنشتاين؛ والإرادة الحرّة في مواجهة المصير، والخير مقابل الشرّ، والذكاء الاصطناعي مقابل الذكاء البشري، وأن السعي وراء الربح هو صفقة مع الشيطان.
من ضمن الأمور الأخرى التي يشرحها الكاتب البِتكُويْن والعملات المُشفّرة، وهدفها الكامن في إلغاء تسييس الأموال، لكنّه يحذر من مخاطر المستقبل مع وجود مبلغ ثابت من العملات المُشفّرة في حالة حدوث أزمة مالية. لن تكون هناك وسيلة لإنتاج المزيد من الأموال لتحفيز الاقتصاد.
كما نرى أنه يستحدث مصطلحات لتحلّ محل قديمة، ومن ذلك «مجتمع السوق/ Market Society» بدلاً من «اقتصاد السوق».
أخيراً، تكمن فضيلة هذا المؤلّف في توضيح أن الاقتصاد لا يمكن أبداً أن يكون علماً على نسق الفيزياء أو الكيمياء، لأنه يتعامل في هذا الموضوع الأكثر ذاتية، وهو القيمة (Value)، ويوضح أن الاقتصاد جاء بديلاً لشرعنة روايات الطبقة الحاكمة، بعد أن بدأت الروايات الدينية بفقدان مكانتها.
ينهي الكاتب مؤلّفه بتحذير ابنته من أن الاقتصاديين المحترفين ليسوا علماء حقّاً، مع أنهم يخترعون نماذج رياضية جميلة، ويقومون بتحليل مجموعات من البيانات. فأيديولوجياتهم تمسك بهم كما لو كانت ديناً، ويجب على معادلاتهم المُحيّرة أن تُفَسَّر المرّة تلو الأخرى.
الاقتصاديون، في أحسن الأحوال، فلاسفة بشر فحسب.

* حديث إلى ابنتي عن الاقتصاد: تاريخ مُختصر للرأسمالية - ترجمة من اليونانية: يانيس فاروفاكيس وجايكوب مو.
TALKING TO MY DAUGHTER ABOUT THE ECONOMY, A BRIEF ISTORY OF CAPITALISM. THE BODLEY HEAD, LONDON 2017. YANIS VAROUFAKIS AND JACOB MOE.