على طول المسافة بين ساحة العباسيين وساحة باب توما ينهمك عمّال محافظة دمشق بوضع الزينة المضاءة على أعمدة الكهرباء. لا يتوقف العمل حتى في الليل، فالمطلوب إنجاز المهمّة قبل حلول الخامس والعشرين من كانون الأول، تمهيداً لاحتفال يتوقّع أن يكون الأكبر منذ بدء الحرب، يشهد إنارة أكبر شجرة ميلاد سورية بطول ثلاثين متراً.

لا مجال للمُقارنة بين اليوم والسنوات الفائتة، فالمسافة المذكورة كانت خط نار ملتهباً يفتح شهيّة القذائف والمدافع التي لم تهدأ صعوداً ونزولاً إلّا قبل أشهر قليلة. لا تزال آثار قذائف الهاون مدموغة على شكل حفر في الأرض، وشظايا على الجدران والأرصفة. عايشت مناطق العباسيين والقصاع وباب توما تفاصيل معارك «الغوطة الشرقية» المجاورة لها عاماً بعد عام، أما اليوم فتعيش أجواء «استثنائية»، سواء في ما يتعلّق بالزينة التي وضعها الأهالي على الشرفات وفي حدائق المنازل، أو تلك التي تكفّلت بها «محافظة دمشق» في ساحتي باب توما والعباسيين، اللتين غابت عنهما أجواء الميلاد في شكل شبه كامل منذ عام 2011.

«بداية جديدة»؟
«آن الأوان لبداية جديدة» تقول هيفاء داود التي أطلّت برأسها من شرفة منزلها في شارع فارس خوري، لتعلّق على شجرتها زينة إضافية في منافسة مع شجرات الجيران. توضح السيدة الأربعينية: «نحاول أن نفرح، وأن ننسى وإن كان الأمر صعباً». كفّت هيفاء عن إنارة شجرة الميلاد في كلّ سنوات الحرب، واكتفت بواحدة صغيرة في غرفة الجلوس. «كنّا نخجل من إشهار الفرح، ونشعرُ بأنّنا في عزاء مفتوح (...) كلّ يوم شهيد جديد في منطقتنا» تقول. أما اليوم، فتحرص السيدة على الاعتناء بكل تفاصيل العيد: أعدّت الحلوى، وأنارت الشجرة، واشترت الهدايا لطفليها ميلاد وروني «سنصلّي جميعاً هذا الميلاد من أجل عام أفضل».
على شُرفة غير بعيدة، تحتفي هيا ديب مع عائلتها بأجواء الميلاد. «الناس اشتاقت للألوان والفرح» تقول لـ«الأخبار». في الوقت نفسه تتحدث الصبيّة العشرينيّة «عن كميّة الأموال المنفقة على الزينة»، وتضيف «لو أنها أنفقت على المشرّدين والنازحين لكان الأمر أفضل». تُلاحظ ديب أنّ «الأمر زاد عن حدّه، لم تبقَ زاوية بلا زينة (...) هل جعلتنا الحرب ننتظر الأعياد لنصنع فرحاً وهمياً فيها؟». ترى طالبة الطب البشري أنّ «ما ينقصنا في هذا العيد أن يلتمّ شمل الناس مع عوائلهم، لا أن نتجمّع حول أشجار الميلاد ونكتفي بالتقاط الصور وتبادلها».

أمنيات معلّقة أم عالقة؟
تتنافسُ مقاهي دمشق القديمة في أحجام وأشكال زينة الميلاد هذا العام، بعد سنوات من الإهمال المرافق لهجران الكثير من الزبائن مقاهي شرق العاصمة «خشية قذيفة هنا أو صاروخ هناك». ارتدى «مقهى زرياب الثقافي» ثياب عيد الميلاد الحمراء، وتدلّى من السقف «سانتا كلوز» وتعلّق آخر بالكتب، وتوزّع آخرون على الطاولات الخشبية. واحتفظت «شجرة الأمنيات» بقدرتها على استقطاب القسط الأوفر من اهتمام روّاد المقهى، فقد وضع معظمهم أمنياتهم على ورق ملوّن يعلّقونه على أغصانها.

هل جعلتنا الحرب ننتظر الأعياد لنصنع فرحاً وهمياً فيها؟

أطلق برنار جمعة، صاحب المقهى، هذه الفكرة في عام 2013 «لأنها توفّر ثمن الزينة الباهظ، وتعبّر عن أحلام وأمنيات الشباب». دأب برنار (40 عاماً) على تجميع تلك الأمنيات عاماً تلو آخر في مجلّدات خاصة. يقول لـ«الأخبار» إنّ «الأمنيات تتقاطع في كل سنة حول هدف ما. قبل ثلاثة أعوام تمحور معظمها حول الهجرة والسفر، وقبل عامين انحصرت بتوقف القذائف والقصف، أما في هذا العام فأغلب الأمنيات جاءت عبارات شوق ودعوات من أجل عودة الغائبين». وقبل قرابة أسبوع من العيد فاق عدد الأمنيات حاجز المئة، وقد توزّعت على الشجرة التي وقفت أمام باب المقهى، ووقعت بعض الأمنيات على الأرض. يضيف برنار «بعض الأمنيات ثقيلة بالفعل، وربّما لا تحملها هذه الشجرة (...) أحدهم تمنّى أن تتوقّف الحرب أو يتم تسريحه من الخدمة العسكرية».

الأسعار ضرب عشرة
في شارع «القصّاع» المتّصل بباب توما تزيّنت ثلاث شجرات ميلاد كبيرة، يتجمّع حولها العشرات لالتقاط الصور، فيما يتجمهر الأطفال حول رجل ارتدى ملابس بابا نويل. وفي أحد أشهر محال الشارع، يستقبل وسام (اسم مستعار) بضاعته الجديدة، ويبدأ بعرضها مباشرة في واجهة محلّه استعداداً لبيعها. وفضّل الشاب عدم ذكر اسمه أو اسم محلّه حين سألناه عن تكلفة شجرة الميلاد وزينتها، وقال «لولا منع الاستيراد لكانت الأسعار أرخص بكثير (...) اليوم، تكلفة شجرة الميلاد مع زينتها قد تصل إلى مليون ليرة سورية». يؤكد أن معظم البضائع المعروضة في السوق هي بضائع مهرّبة، الأمر الذي يزيد من سعرها. ويعقد مقارنة سريعة بين الأسعار اليوم ونظيرتها قبل عام 2011 التي «تضاعفت عشر مرات». ثم يطرح بعض الأمثلة «شجرة الميلاد كانت بعشرة آلاف ليرة، واليوم بمئة ألف. هذه الكرة كانت بعشرين ليرة، واليوم بخمسمئة ليرة. أما النجمات المعلّقات هناك فكانت بعشر ليرات، واليوم بمئة أو مئتي ليرة». يؤكد الشاب أن «كثيراً من العائلات باتت تعمدُ إلى تزيين أشجارها بنفسها، وهناك عوائل تمتنع عن التزيين، وتكتفي باصطحاب الأطفال إلى شجرات القصاع».