العبور مجاني على جسر الرئيس، الذي تم افتتاحه في عام 1992. يصل الجسر بين منطقة البرامكة التي احتضنت قبور آل برمك، أصحاب السيرة الشهيرة في تاريخ الدولة العباسية، وحي أبو رمانة، حي الرؤساء المتحوّل إلى وسط تجاري بتأثير أشهر ماركات العطور والجواهر العالمية. يقطع الجسر الشارع القادم من ساحة الأمويين باتجاه جسر فكتوريا، الملكة البريطانية التي سُمي باسمها، والتي تقول الروايات إنها توفيت قبل أن تزور دمشق. يُجاور الجسر فندق الفورسيزن، مقصد المستثمرين ورجال الأعمال، يقابله متحف دمشق الوطني، ويعتليه قصر الضيافة المطل على نهر بردى، والذي اعتلى شرفته يوماً الرئيس جمال عبد الناصر مخاطباً وفود لبنان باسم الجمهورية المتحدة: «إن الجمهورية العربية المتحدة ستكون دائماً للبنان السند الأكيد، وستكون دائماً للبنان الأخ الشقيق». هذا في مدح الجسر ووصف الجيوبوليتك المحيط به، كما لو أنك تصف موقع سوريا من قلب العالم. لكن! ماذا عمّن هم تحت جسر الرئيس؟

منذ إنشاء الجسر، استخدمت محافظة دمشق المنطقة أسفله كمركز تجمّع لوسائط النقل العامة المتجهة إلى ضواحي دمشق الغربية. المئات يعبرون الجسر يومياً ذهاباً وإياباً. بعضهم ينزل الدرج، وبعضهم يقطع عبر ممر الإشارة الضوئية، آخرون لا يعبرون أبداً ولا يصعدون ولا ينزلون لأنهم لا يعرفون المشي، كما لا يعرفون شيئاً عن معاناة سائقي الميكروباصات كما الناس، مع «العجقة» وسعر التذكرة، كما لا يعرفون شيئاً عن بائع الكتب، العم أبو طلال، الذي اتخذ زاوية الجسر ركناً له منذ عام 2003.
من مفارقات سوريا أن عقلها يجلس تحت الجسر، وأن من يفهم جيوبوليتك البلد يقطن أيضاً تحت الجسر، وأن الجميع مأخوذ بالسطح مع أن العمق هو تماماً في القاع. هناك يخبرك أبو طلال بأن «العقل بيتعّب وبيعذّب... أنا مواطن عادي، ما بقلك بدّي أكل وأشرب، هذه ميزة الحيوان، أنا مواطن بدّي عيش وشوف ولادي مبسوطين، بدي يكون عندي بيت ورفاهية وإلي حرية، هي هيي الجنة بالنسبة إلي أنا، أما النار، النار هيي إنّي كل النهار طالع من بيتي عم أركض ورا رغيف الخبز والميكرو، خايف دايماً من المرض وخايف ما لاقي سيارة ولا مازوت، خايف ينقطع السكر وتغلى البندورة، طول عمري خايف بخايف».
يتابع أبو طلال، «منذ طبقت أوروبا مقولة (ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، معتمدين مصطلح العلمانية ونجحوا في تطويع هذا المصطلح لخدمة رفاهية الفرد وحريته، عاشوا في الجنة فعلاً وقامت قيامتهم». في بلدنا، قمنا بجرّ هذا المصطلح واستخدمناه لخدمة رجال الدين والسياسة، من أجل ذلك يقول أبو طلال: «بعمرها القيامة ما رح تقوم عنا... المجتمع يتطور بالوعي، ونحن للأسف ما زلنا نعيش الطائفية وحالتنا أقرب إلى العشائرية والبدوية. تصوري إنو الشيخ العرعور بيقلن للعالم طلعوا دقوا عالطناجر بيسقط النظام، تاني نهار بيطلع مهندسين ودكاترة، قال إذا ما طلعوا بيرفضن المجتمع، شو يعني يرفضك؟ معقول تعمل شي غير قناعاتك؟ هاد المجتمع اللي بيفكر هيك مستحيل يطلع من الجهل».
يعرّف أبو طلال عن نفسه كالآتي: «أنا من الجمهورية العربية السورية، دمشق، جسر السيد الرئيس، سوق الكتب القديم. أكثر ما يزعجني هو سؤال: بقديش الكتاب؟ هذا السؤال هو تماماً كمن يكيل لي الشتائم. أشعر مع هذا السؤال بأنني أبيع الكتب بالكيلو كما تباع البطاطا».
إن لم يُسعف الحظ أبو طلال في بيع الكتب، فهو لا يبخل بتقديم الفكرة والنصيحة لمجالسيه من الشباب والصبايا بانتظار حدوث شيء ما، ربما «بانتظار غودو» المسرحية التي ينصحنا بقراءتها. يقول أبو طلال: «انظري إلى حال هؤلاء الناس الذين يتدافعون لركوب الباص، هذا حال الجميع في هذا البلد، قد يتأخر الباص ويتعب هؤلاء وهم ينتظرون، لكن مصير الباص أن يأتي في النهاية وسيكون بإمكانهم رؤيته والحصول على مقعد، لكن من أين لنا أن نأتي بالأمل أو نراه؟ قد يكون موجوداً، لكن! لا يمكن أن نلمسه، لا يمكن أن نسجنه أو نعذبه كما يعذبنا».
نحن أصحاب الكتب أول الضحايا، يحكي أبو طلال وجعه: «أنا بياع كتب، قعدتنا هلق حقها نص فرنك جنب أصوات بياعين البالة. هاد البياع محتل الشارع كلو، وأنا ما بسترجي أطلب منه يخفّض صوت المسجلة، ما بيرد عليي، لأنو في حدا وراه، وتعي علميه بتلاقيه عندو وطنية أكبر من جبل قاسيون، بس ما عندو واحد بالألف من المواطنة». ألمانيا شو اللي دمرها؟ يسأل أبو طلال ويجيب: «دمرتها الوطنية والتعصب الشوفيني للحزب الحاكم زمن هتلر، اليوم ألمانيا إذا بتشعر واحد بالمليون إنو الوطنية تفوّقت على المواطنة ما بتسمحلها»، المواطنة يعني عيش أنا وأنتَ بهاد الشارع، أنتَ وأنا بدنا نمشي فيه، أنتَ بتحب تشوفه نضيف وأنا كمان، طب تعال نتعاون ونخليه نضيف، ما ممكن. وإذا بتقول لحدا هيك، بيقلك شو دخلك؟ عرف مع مين عم تحكي».
يبدو أبو طلال خارج تصنيف المجتمع السوري الذي يصفه بالمتخلف: «ما بزعل إذا حدا حكالي عالإسماعيلية، أنا بطبق إسماعيليتي بيبيتي وما بفرضها عا حدا، وما بزعل إذا حدا حكالي على سلميّة، سلميّة منطقة من هالمناطق فيها بصل وفيها ملح، ولكن بزعل لما حدا بيحكيلي عن سوريا، لأنو سوريا بلدي، الأرض كيان ثابت، النظام كيان متحرك، فأنا الأرض، أنا مع الأرض».
لا يملك أبو طلال المال، لو امتلكه كما روى لنا لاشترى به كتباً يقرأها بدل بيعها، لكنه تعلّم كيف يقرأ الرواية ويفهم التاريخ ويحكي السياسة، يقول أبو طلال: «لما بتعرفي تقرئي الرواية بتعرفي تقرئي المجتمع، وساعتها بتعرفي مكانك بهاد المجتمع وبتعرفي كيف تحمي حالك. لما بتعرفي تقرئي الرواية بتعرفي تقرئي التاريخ، ولما بينطرح عليك شي تاريخي بتقدري تحكمي عليه، بتصدقيه أو لأ، بتحلليه. لما بتعرفي تقرئي التاريخ بتعرفي تقرئي السياسة والاقتصاد والجيوسياسة والمحيط تبعك، لما بتعرفي كل هدول الأشياء، بتعرفي تركيبة البلد وطبيعة نظامو».
«كلنا عنا طموح وحلم. صحيح نحنا المجتمع العربي عاطفي بيفكر بقلبو أكتر من عقلو، بس كمان في ناس بتفهم، ما بيصير تضلوا تضحكوا عالعالم، حرام تضلوا تضحكوا عليها». يختم العم أبو طلال.