تحققت أمنية الفنان فواز الجدوع (1956 - 2019) الأخيرة، وعاد إلى مدينته الرقة عودة أبدية. هو الذي غادرها منذ سنوات، حاله حال كثير من الرقيين الذين فارقوا بيوتهم رغماً عنهم، ليتوزعوا في أصقاع الشتات، لكن حلم العودة لم يفارقهم يوماً، وإن في كفن!

كغيره من أبناء الرقة، خسر الجدوع منزله، وبناءً كان يملكه، بعد أن دمّرتهما طائرات «التحالف» الأميركي خلال عدوانها على المدينة. قبل أن يبدأ تصوير مشاهده في مسلسل «دقيقة صمت»، سارع الجدّوع إلى زيارة الرقة. التقى بعض الأصدقاء في «مقهى السرايا»، تجول في شوارع المدينة وشاهد حجم الخراب. سعى بين جسري الرشيد والمنصور المدمّرَين، وطاف حول ساعة المدينة المحطمة. عانق نهر الفرات بعد طول غياب، وروى ظمأ روحه من مياهه، وكأنه استشعر موته فأراد إلقاء نظرة الوداع.
كان الجدوع أحد ثلاثة رقيين غامروا ودخلوا مجال التمثيل في سبعينيات القرن الماضي، وهم الفنان الراحل أسعد الجابر (2011)، والفنان الراحل حمود الصطاف (2015)، وها هو ينضم إلى رفيقيه في رحلة الراحة الأبدية. وبرحيله تكون الرقة فقدت آخر وجوهها في هذا المجال، الذي لم يجرؤ مغامرون جدد على الخوض فيه طيلة العقود الماضية، بسبب صعوبة التجربة التي خاضها الثلاثة، فهم لم يحظوا بفرص مناسبة تفسح في المجال أمامهم نحو الشهرة، رغم ما يمتلكونه من طاقات، فظلوا كمدينتهم الرقة المهمشة، نسياً منسياً.
قبل أيام من وفاته كنت قد تواصلت مع الفنان الراحل، لسؤاله عن سبب غياب الرقة عن الدراما السورية، وتقديمها وفق نمط واحد فقط، فقال لـ«الأخبار»: «منذ دخلت هذا المجال قبل عقود، وأنا أسعى وأحاول تغيير الصورة النمطية عن مدينة الرقة في أذهان غير الرقيين. فللأسف، كثرٌ يظنون أننا نعيش في خيم ولا نعرف شيئاً عن الحضارة. أفخر بأنني نجحت في إقناع كبار المخرجين السوريين، مثل نبيل المالح ونجدة أنزور وهيثم حقي وآخرين، بزيارة الرقة وتصوير بعض الأعمال فيها. وأسهمت زياراتهم في تغيير شيء من الصورة النمطية». في الحديث نفسه، قال الراحل: «أعيش نازحاً منذ سنوات، وقد قامت نقابة الفنانين بترقين قيدي في سجلاتها، وطالبني مسؤولوها بدفع 150 ألف ليرة، قيمة اشتراكات تراكمت خلال سنوات الأزمة. ليس في وسعي دفعها كي أعود إلى النقابة، فالظروف التي أعيشها صعبة». اليوم، يرقد الجدّوع مطمئنّاً تحت تراب حبيبته الرقّة، وتحديداً في «مقبرة حطين». لقد انضم أخيراً إلى «نقابة» لا تطالب منتسبيها بدفع اشتراكاتهم، وتراعي ظروفهم الصعبة التي يمرون بها، من دون أن تُرقن قيودهم.