كان يوم جمعة عادياً في حياة إحدى عائلات حي القصّاع الدمشقي. في الثالثة عصراً، قرع الباب شاب ثلاثيني، قال بارتباك للسيدة الستينية التي فتحت له، إنه يحمل «سلامات من بلاد بعيدة»، وأضاف «أنا ألبير». تحولت نظرات الاستغراب إلى عناق طويل بين الشاب وجارته القديمة، التي هتفت «ما توقعت أرجع شوفك، كبران كتير!». كان ألبير قد غادر البلاد طفلاً مع أسرته اليهودية الدمشقية عام 1994، بعد سماح السلطات السورية لليهود بالسفر عقب «مؤتمر مدريد للسلام» (1991). هذه ليست زيارة ألبير الأولى، فقد زار دمشق في ربيع 2011، وغادرها سريعاً لبدء التوتر الأمني آنذاك، لكنه تمكن حينها من تجديد جواز سفره السوري. قبيل عيد الفصح اليهودي هذا العام، وصل الشاب إلى مطار بيروت، ثم انطلق إلى دمشق عبر نقطة «المصنع» الحدودية. يصف لـ«الأخبار» ردّ فعل الضابط السوري، بعد أن تبيّن له أن ألبير «موسوي». يقول «استغرب، وابتسم ابتسامة عريضة ثم قال: الحمد لله عالسلامة، طوّلتو الغيبة». تعتمد الدوائر السورية تسمية «الطائفة الموسوية» دلالة على اليهود، وكانت كلمة «موسوي» تُختم على بطاقاتهم الشخصية، وبقية أوراقهم الثبوتية (ما عدا الجواز)، وكان مطروحاً إلغاء هذا الإجراء أوائل تسعينيات القرن الماضي منعاً للتمييز، قبل أن يُطوى الأمر مع السماح بالهجرة.


في «حارة اليهود»
فور وصوله دمشق، قصد ألبير «حارة اليهود» في «حي الأمين» بالمدينة القديمة. سابقاً؛ كان الحي أكبر تجمع لليهود الدمشقيين، وفيه كثير من قصور اليهود وبيوتهم الدمشقية، وعدد من دور العبادة اليهودية، وبعض المدارس، مثل مدرسة «الإليانس»، التي أصبحت تسمى مدرسة فلسطين وتتبع لوكالة «الأونروا»، ومدرسة «ابن ميمون النموذجية» (مفكر يهودي أندلسي)، التي صارت مقر مكتب رئيس الطائفة الحالي ألبير قمعو، المعين بموجب قرار صدر عن مجلس الوزراء السوري عام 2006. تعود الذكريات إلى الشاب وهو يتجوّل في حارات دمشق القديمة، متفقّداً آثار الصواريخ وقذائف الهاون. يعاين بأسى البيوت المهجورة المقفلة بإحكام، وقد تصدّع بعض جدرانها واهترأ بعض سقوفها. يوضح ألبير أن مسؤولية التصرف ببيوت اليهود التي هاجر أصحابها تعود إلى «مؤسسة أملاك اليهود». بعض البيوت تمّ تأجيره للسوريين من غير اليهود، ومنح بعض الملّاك الذين هاجروا «رئيس الطائفة» حق التصرف بعائدات عقاراتهم، وتسيير أمورها. ورش الخياطة التي كانت تعجّ بها «حارة اليهود» لا تزال حاضرة في أذهان الدمشقيين. كثير من اليهوديات السوريات كنّ يبرعن في هذه المهنة. تضحك أنطوانيت، وهي سيدة خمسينية من سكان «طالع الفضة»، وتقول «لم نعرف أشطر من الخياطات اليهوديات»، وتضيف «كان بعض اليهود شاطراً بالتبصير». إلى جانب الخياطة، أتقن يهود سوريا صناعة الكبريت والنحاس، وأعمال الصيرفة، وحرفة صياغة الذهب، وتجارة الألماس، وبرع العديد منهم في العلوم والطب والهندسة. وما زال الدمشقيون يتذكرون الطبيبين حاصباني وطوطح، وبراعتهما. كان ليهود دمشق لحّام خاص يذبح لحم «الكوشر» (الحلال اليهودي)، ومطهّر للصبيان، يقوم بختان الذكور في اليوم الثامن بعد الولادة، بحسب التعاليم اليهودية.

يؤكد ألبير أن جميع إخوته قد تزوجوا مثله يهوديّات من الجالية السورية


القِلّة الباقية
التقى ألبير بمن بقي من يهود الحارة، ويبلغ عددهم اليوم 11 شخصاً. عام 2011 كان العدد 15 شخصاً فقط، رفضوا مغادرة البلاد، وتنوّعت أسبابهم بين التقدم في السن، والتمسك بالبقاء في بلدهم. يروي الشاب لـ«الأخبار» أن «أحدهم (من آل حمرا) توفي منذ شهرين، قام أخوه بإخبار أهالي الحي، وخرجت له جنازة كبيرة ضمت 300 شخص». دُفن المتوفى في مقبرة اليهود في «باب شرقي»، التي يهتم بها شاب مسلم، ورث المهمة عن والده الذي كان يهتم بالمقبرة منذ 30 عاماً. يقول ألبير «لا شك في أنكم سمعتم عن روزا، أكبر من بقي من يهوديات دمشق. تعيش مع أختها المسنّة، وتشتهر بحب القطط وإطعامها يومياً». لليهود عادات محددة لإقامة الصلاة الجماعية، تتم باللغة العبرية، ولا تقام الا باجتماع 10 رجال. «هذا مستحيل حالياً»، يقول ألبير. ما زال «كنيس الفرنج» يفتح في الأعياد، أو بعض أيام السبت. وهو واحد من 22 كنيساً في دمشق، أشهرها وأقدمها «كنيس النبي إلياهو» في جوبر (مقام الخضر)، وتُجمع مصادر كثيرة على أنه أقدم كنيس يهودي في العالم. كان في الكنيس عدد من الآثار والمحتويات التاريخية البالغة الأهمية، ومنها أقدم نسخة من التوراة، مكتوبة على جلد غزال. تضرّر الكنيس مثل كثير من مباني الحي، واختفت النسخة أثناء سيطرة الميليشيات المسلحة على جوبر (بين عامي 2013 و2018). يوضح الشاب أن «كنيس الفرنج مغلق منذ بضعة أشهر للقيام ببعض أعمال الترميم، ومفتاحه الآن بحوزة راشيل قمعو، أخت رئيس الطائفة». يفضّل اليهود الدمشقيون عدم الخوض في أحاديث السياسة، وقضايا الحرب والسلم، ويقول أحدهم عند سؤاله عن الحرب «لا نحب أن يتم تخصيص السؤال: كيف مرّت الحرب على اليهود». ويضيف «هذه الحرب عانى منها كل السوريين، ونحن منهم. عشنا ظروفها الصعبة معاً، وفرحنا بتحسّن الأوضاع الأمنية معاً». يتدخل ألبير مؤكداً أنّ «معظم أبناء الجالية السورية اليهودية في الولايات المتحدة تألموا لما حصل في وطنهم الأم، وأقاموا الصلوات ورفعوا الدعوات متمنين حلول السلام في سوريا».

الهوى سوري
في الولايات المتحدة، تزوج ألبير فتاة يهودية دمشقية، ولهما حتى الآن أربعة أولاد. يؤكد أن جميع إخوته قد تزوجوا أيضاً يهوديّات من الجالية السورية. يقول «ما زال معظمنا دمشقيّاً 100%. الانتماء سوري في الدرجة الأولى. نتحدث اللهجة الشامية حتى اليوم، ونعلّمها لأولادنا، ونحافظ على تقاليدنا». ويضيف «يندر أن يتزوج يهودي سوري من خارج الجالية. وجبات الأعياد وأيام السبت غالباً ما تكون أطعمة سورية. وكثرٌ منّا يستمتعون بالموسيقى والرقصات العربية، كما أسّسوا هناك مطاعم دمشقية وحلبية». كان في وسع اليهود السوريين زيارة سوريا بأريحية قبل الحرب. يتذكر الشاب «نُظّمتْ رحلة سياحية إلى سوريا عام 2010. شارك فيها 70 فرداً»، ويضيف «نخشى فقدان علاقتنا بسوريا، وباللغة العربية. معظم اليهود السوريين الذين وُلدوا خارج سوريا لم يزوروا موطنهم في حياتهم». يؤكد ألبير أنّ كثيراً منهم «يفضّل زيارة سوريا على زيارة القدس». يقول «هي وطننا ومسقط رأسنا، ولا تعنيني زيارة القدس إذا كنت سأحرم بعدها من زيارة دمشق». ويضيف «زيارتي هذه لدمشق القديمة وأحيائها وسورها، تعنيني أكثر من زيارة حائط المبكى (البُراق)، بالرغم من اقتراب عيد الفصح اليهودي». يوضح ألبير أنه ليس أول الزائرين بعد الاستقرار الأمني، فقد سبقه بالزيارة مطلع عام 2019 شاب يبلغ من العمر 25 عاماً، كان قد غادر البلاد وعمره عام واحد. يقول «أراد التعرف إلى مسقط رأسه، وعاد يحمل الكثير من السعادة والحماسة والتشجيع لأبناء جاليته على القيام بزيارة مماثلة». ويضيف «كثير من أبناء الجالية متحمّسون لزيارة سوريا الصيف القادم».
قبل وداعه لجارته القديمة، أجرى ألبير اتصالاً مرئياً مع والدته لكي تراها. بداية لم تتعرف إليها، ثمّ تذكّرتها فور سماع صوتها، لتتزاحم الأسئلة عن الأحوال والأبناء والذكريات العتيقة، واعدة بزيارتها في دمشق قريباً.

لمحة
عام 1992، وعقب رفع الحظر والسماح بهجرة من يشاء من اليهود السوريين، هاجر معظمهم، وكان عددهم يقدر آنذاك بحوالى 5 آلاف متوزعين بشكل أساسي بين دمشق وحلب والقامشلي. استقر جزء من المهاجرين في فلسطين، فيما فضّلت الغالبية الاستقرار في الولايات المتحدة، وغدت بروكلين الأميركية أكبر تجمع لليهود السوريين. كانت السلطات السورية قد سمحت بهجرة 500 فتاة يهودية عازبة عام 1989، كما صدر قرار السماح بهجرة 24 يهودية سنويّاً إلى الولايات المتحدة للانضمام إلى أزواج المستقبل، تصحيحاً لاختلال في التوازن بين الجنسين في الجالية. عام 2001 كان عدد اليهود في سوريا يقدّر بنحو 200 شخص، منهم 150 يقيمون في دمشق و30 في حلب و20 في القامشلي. عام 2003 غدا العدد أقل من 100 شخص، وعام 2005 قالت وزارة الخارجية الأميركية في التقرير السنوي للحرية الدينية حول العالم إن العدد «انخفض إلى 80 نتيجة الوفيات بين كبار السن». عام 2012 قال التقرير ذاته إنّ «22 يهودياً فقط لا يزالون في سوريا، وأغلبهم من كبار السن». وحتى العام 2011 كان أحد أحبار تركيا يقوم بزيارة دورية إلى «حارة اليهود» في دمشق، للقيام بالذبح الحلال وتفقد أحوال من تبقّى.