في نهاية عام 2011، كانت الجهات الحكومية تؤكد سعيها إلى زيادة حصة الفرد السوري من الأسماك من 1.5 إلى 7 كيلوغرامات سنوياً. اليوم، لا تتجاوز الحصة 1 كغ سنويّاً، في مقابل متوسط عربي قدره 11 كغ، وعالمي قدره 18 كغ. يترافق هذا الانحدار بتزايد مشكلات الطبقتين «الدنيا» و«الوسطى» من الصيادين، ويستفيض عدد من صيادي اللاذقية في شرح «مآسي» عملهم لـ«الأخبار».

«اليوم عيد؟ أم صيام؟»، يسألنا الصّياد الخمسيني في صبيحة يوم الثلاثاء (4 حزيران). لا ينتظر الرجل الجواب، بل يسارع إلى تقديم توضيح لأسباب سؤاله، قائلاً: «كنا في البحر كل الليل». نسأل عن الحصيلة، فيجيب: «الحمد لله، ماشي الحال، ماشي الحال». يعمل أبو محمد في الصيد البحري منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وهو واحدٌ من صيّادي «المينا اليوغوسلافي» في اللاذقية. بعد عدد من الإجابات المواربة عن واقع مهنته، يستسلم الرجل أمام إلحاحنا، ويؤكد لـ«الأخبار» أنّ «كل سنة أبشع من اللي قبلها».

(الأخبار)

يوغوسلافيا ما زالت هنا!
طوت الألفيّة الثانية نهائياً دولة يوغوسلافيا (عام 2006)، لكنّ ذكرها قد يكون «مؤبّداً» هنا، في مدينة اللاذقية. لا ينتبه كثيرٌ من عابري «أوتوستراد الشاطئ الأزرق» جيئة وذهاباً إلى أنّهم يحاذون واحداً من موانئ الصيد الرئيسية في المدينة، فالميناء محجوب عن الأنظار، شأنه شأن الجزء الأكبر من الواجهات البحريّة. الاسم الرسمي هو «ميناء الصيد والنزهة»، أما الشعبي فـ«اليوغوسلافي»، (يؤنثه البعض ليصبح «اليوغسلافية»)، نسبة إلى الشركة اليوغوسلافية التي نفّذت أعمال إنشائه في سبعينيات القرن الماضي. لا نصيب للميناء من نصف اسمه، فلا متنزهين يقصدونه اليوم، ولا يبدو أن ثمة أدنى اهتمام باستقطابهم أصلاً. في الصباح الباكر، تمكن مشاهدة عشرات هواة الصيد بالصنارة، وهم يدخلون الميناء، ثم يتسلقون فاصلاً صخرياً صناعياً، قبل أن يجلسوا لممارسة هوايتهم. على المقلب الآخر، يمتد الميناء بطول يقارب 1500 متر، وترسو فيه عشرات المراكب، بعضها عاد من رحلة الصيد، بعضها يتجهّز للرحلة، وبعضها ساكن منذ أيام. ويبلغ إجمالي القوارب العاملة في الميناء نحو 300 من مختلف الأحجام.
(الأخبار)

«تحت الصفر»
لا يحظى الحديث إلى الصحافة بحماسة كبيرة لدى معظم من التقيناهم من الصيادين. التحفّظ هو السمة الغالبة على ما نسمعه من إجابات أوّل الأمر. لا بأس في تقليد الصيادين والتحلي بقليل من الصبر، لإزالة بعض الحواجز، وشحذ الحماسة للخوض في نقاشات حول واقع الصيد البحري. «شو بدي خبرك عن شغلنا؟ بدك أحكي عن المأساة؟»، يقول أحدهم، فنجيب بإصرار: «نعم، نريد أن نتحدّث عن المأساة». يُطلق الرجل ضحكة عالية، وهو يقول مداعباً أحد أصدقائه وقد ظهر فجأة من بين المراكب: «شايف كيف أجت المخابرات فوراً». يتفق محدّثونا على أنّ واقع الصياد السوري «كان سيئاً قبل الأزمة (السوريّة)، وهلأ صار أسوأ، نزل لتحت الصفر».
مستخدمو أسلوب «الجرف القاعي» المؤذي عادةً ما يكونون من «الحيتان»

يوضح أحدهم أنّ «الصيادين طبقات، في صياد طبقة دُنيا، وصياد متوسط، وصياد خمس نجوم. نحن طبقة دنيا، معتاشون على باب الله». يعتمد التصنيف على الوضع الاقتصادي للصيّاد، ومعدّاته، ما ينعكس أيضاً على ما يجنيه. ثمة إجماع على أنّ توفير الوقود إحدى أهم مشكلات الصيادين، «خاصة خلال الأزمة والحصار الاقتصادي». هناك حصص مخصصة من المازوت لأصحاب مراكب الصيد، تُحدَّد تبعاً لحجم المركب ومواصفات محركه. «بيجي صهريج من سادكوب (الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية) بيعبي لنا، لكن المازوت مو دايماً متوافر عند الدولة، بسبب الحصار طبعاً».

(الأخبار)

«الحلقة الأضعف»
الشتاء القاسي عدو الصيادين. «في الشتاء الماضي توقفنا عن العمل شهرين ونصف شهر، بسبب العواصف الحادة»، يقول أحد الصيادين. ويضيف: «في مثل هذه الحالة، نذهب إلى تجار ساحة السمك، نستدين منهم لنعيش في فترات توقف العمل، ونسدد لهم حين تتغير الظروف». العلاقة بين التاجر والصياد لا تسير لمصلحة الأخير. ثمة فوارق سعرية كبيرة بين الأثمان التي يتقاضاها الصياد، وما يدفعه المستهلك، لكن «لا غنى للصياد عن التاجر لتصريف الصيد، حتى ولو كانت الكمية 10 كيلو فقط. التاجر قادر على التصريف، لديه زبائنه، من مطاعم وغيرها، لديه زبائن خارج المحافظة أيضاً، وبالسعر الذي يحدده هو، أما نحن فلا نستطيع التحكم بالسعر». يبيع الصيادون السمك في «ساحة السمك» (مسبح الشعب)، ويجري البيع عبر مزادات بإشراف السماسرة. يخسر الصياد سلفاً نسبة 10% من صيده لمصلحة المشتري، إذ يُنقَص كيلوغرام واحد من كل عشرة كيلوغرامات تحت اسم «الطبشة»، لمصلحة المشتري الذي عادة ما يكون تاجراً، «يعني بيتحكموا فينا، فوق الموتة عصّة قبر»، يقول أحد الصيادين. كذلك، يدفع الصيّاد عمولة (8% من إجمالي السعر) للسمسار المشرف على المزاد. يضرب أحد الصيادين مثالاً على الفروق السعريّة، فسمك «السلطان إبراهيم»، الذي يبيعه الصياد بسعر يراوح بين 7 و 8 آلاف ليرة على الأكثر، يباع للمستهلك المحلي بضعف السعر. أما ما يصل منه إلى الأسواق اللبنانية، فقد يصل سعره إلى 45 دولاراً للكيلو الواحد (نحو 25 ألف ليرة سورية). يوجز أبو حيدرة حال الصياد السوري، بقوله: «وضعنا بيشبه وضع الفلاح كتير»، أما وجه الشبه الأبرز فإن كلّاً منهما يمثّل «الحلقة الأضعف» في مجاله.
(الأخبار)

حيتان الجرف والديناميت
يضحك أبو محمد حين نذكر أمامه مثلاً شهيراً عن الصيد «كل شي شطارة، إلا البحر نطارة (انتظار وصبر)»، ويقول: «هاد الحكي مو ببلدنا، هون كلو شطارة بشطارة»، ثم يسهب في الحديث عن الفساد والالتفاف على القوانين. تتنوّع وسائل الصيد في المياه العميقة، يشرح أبو حيدرة، قائلاً: «في اللي بيصطادو بالشبك، وفي الشرّيكة (ناصبو الشّرك)، وفي الشنشيلّا». يقوم النوع الأخير على استخدام أضواء الكشّافات لاجتذاب الأسماك، ثم اصطيادها بواسطة الشبكات العائمة. أما أسوأ الأنواع وأكثرها ضرراً، فهو الجرف القاعي. «هدول ما بيتركو شي، بيجرفو من القاع، وهذا قضاء على الثروة السمكيّة». يوضح أحد محدّثينا أنّ هذا العام شهد وضع حدّ لصيادي الجرف القاعي، و«لمسنا الفرق فوراً، صار الموسم أفضل». لا أحد يضمن استمرار القدرة على ضبط هذه المسألة، ولا سيما أن مستخدمي أسلوب «الجرف القاعي» عادة ما يكونون من «الحيتان»، شأنهم في ذلك شأن الصيادين باستخدام الديناميت. نقول مستغربين: «اللاذقية مدينة بحرية، لكن الغذاء البحري قليل فيها، لماذا؟». يأتي الجواب مصحوباً بضحكة مريرة: «مدينة بحرية يتحكم بها أصحاب نفوذ. كل ما هو مؤذٍ للصيد موجود لدينا، الجرف، التلوث، الصيد بالأقفاص، الصيد بالديناميت». يُجمع المتحدثون على وجود قوانين ومراسيم ممتازة لتنظيم الصيد، لكن المشكلة في التطبيق، فـ«الفلوس تغري النفوس» وفق تعبير أحدهم (في إشارة إلى الرشوة والفساد). يضيف الرجل ضاحكاً: «كانوا يقولوا إنو جماعة الجرف القاعي عم يشتغلوا مشان دراسات علمية، يا زلمة بتاخد سطل (دلو) بتدرسو، مو بتشيل طن بحجة الدراسة العلميّة!».
(الأخبار)

دعم دولي «متبخر»؟
نسأل: «ما الإجراءات التي يظن الصيادون أنها قد تدعمهم؟»، فتتتالى الإجابات: «القروض الميسرة، تأمين المعدّات، دعم صيانة المراكب». كل شيء اليوم باهظ الثمن، وتكلفة الصيانة تضاعفت مرات عدّة. «سعر المكنة (المحرك) كان زمان 25 ألف بالكتير (500 دولار)، اليوم صار 800 ألف (نحو 1500 دولار)». حال الصياد السوري «سيئ، مثل أقرانه في شرق المتوسط. فقط في أوروبا يُدعَم الصيادون كما يجب، هناك تقدير لدورهم المهم في تأمين ثروة غذائية عالية الجودة». يتحدث الصيادون عن دعم قدمته بعض المنظمات الدولية لصيادي اللاذقية في العامين الماضيين. «ما شفنا شي. بكل هالمينا وصل الدعم لـ7 صيادين بس، وهو أمر تكرر في بقية الموانئ. سمعنا أن المبالغ التي جاءت كانت كبيرة جداً، وين راحت؟ ما بدها ذكاء كتير، بيتوزع الربع، وبيطير الباقي».
(الأخبار)