حين سألني يزن، قبل شهور طويلة: «أسبق أن حضرت حفلة لصباح فخري؟»، قلت ببساطة: «نعم، حفلات كثيرة. له، ولصبري مدلّل، وحسن حفّار، وأبو حسن حريتاني». ثم زدت: «وجالست الأستاذ صباح، والشيخ صبري. ربطتني صداقات بقدري دلال، وصفوان العابد، وحمام خيري، وغيرهم». للوهلة الأولى، أدهشتني دهشة صديقي، إذ كان مألوفاً أن يغنّي أولئك الكبار في أعراس نُدعى إلى حضورها، من دون أن نكون من «عِلْيَة القوم». نعم، يولد الحلبي، وفي متناوله البهاء كله. يفتح عينيه على فنون عمارة مدهشة، يُتقنها بناؤون شعبيون، وقد يعجز عنها مهندسون في غير هذه المدينة. يلبس أقمشة صنعت في معامل لا يُعجزها شيء، وإذا كان محظوظاً (والمحظوظون كُثر) ستجد على ملابسه بصمات واحدة من خيّاطات المدينة القادرات على مضاهاة أرقى دور الأزياء. يتربى على أيدي نسوة مهووسات بالنظافة والتنظيف، ويكاد الحجر يشفّ تحت أيديهن، قبل أن يمضين إلى إعداد الأطايب من قاموس مطبخٍ عزّ نظيره في العالم. يمشي في زقاقات وحارات بعض حجارتها أقدم من تواريخ دول بأسرها، فتباركه روائح توابل وبهارات تُكثّف فتنة الشرق، وتُسهم في صوغ «ألف ليلة وليلة»، واقعاً لا مجازاً. يعاين بصره حيوية أسواق تاريخية متصلة، تمنح زائرها القدرة على التزود بكل ما يلزمه من دون الحاجة إلى مغادرتها: من أصغر إبرة إلى أبدع ما أنتجه صاغة الذهب والجواهر، إلى أحدث سيارة سياحية. تعيش حواسّ الحلبي الخمس كرنفال جمال دائم. يحدث كل ذلك بيسر وسلاسة، وببساطة القيام بأمور يومية روتينية. كيف سيُدهش ابن حلب في مدينة أخرى؟ يبدو الأمر صعباً بالفعل. سيقول قائل: انظر إلى حال المدينة اليوم، ليرتدّ إليك البصر «خاسئاً»، وتملأك الحسرة بدل الدهشة. وهو قول لا جدال فيه، بعد أن دُمر ما دُمر، ونُهب ما نهب، وشُرد من شرد، وقُتل من قتل. غير أن حلب تعرف دائماً كيف تعيد نسج علاقتها مع الدهشة، وتولّدها مبتدعة قياماتها، فالمدينة ليست حجارة تموت إذا هدمت. حلب، هي أهلها الفريدون بين الأقطار. والحلبي، ابن مدينته، ووالدها في آن واحد. لم تنتزع حلب مكانتها بفضل «ثروات باطنية»، أو كنوز دفينة. بل باتكاء على كنز، هو أبناؤها، كل أبنائها. لا يعرف الكثيرون أنّ المدينة لا تحوي كل المكونات الأولية لصابون الغار الذي اقترن اسمه بها، وأن الزعتر لا ينبت بكثافة فيها، بل يُنقل إليها، فتتولى أصابع صنّاع مهرة دمغهما بختم الجودة، وتطوبهما على اسم حلب. في أواسط القرن الماضي، كتب الفرنسي جان سوفاجيه: «إن زيارة سريعة وعفوية لحلب تبرز سمة واضحة، تجعلها مدينة وحيدة في الشرق كله. إن إستانبول والقاهرة ودمشق وبغداد وأصفهان الأكثر إشراقاً والأكثر شهرة، لا تُقدم ــ على اتساعها ــ هذا المجال الصارم الوقور نفسه، وهذا الاهتمام بالإتقان المعماري ذاته. وتكشف المعرفة الأعمق سمة خاصة أخرى لحلب: إنها الحيوية المدهشة للمركز المديني». وقبل ربع قرن من اليوم، صدر في ألمانيا كتاب «حلب دراسات تاريخية وجغرافية» لمؤلّفيه هاينتز غاوبه، وأويغن فيرت، وفيه نقرأ: «تعرّضت حلب خلال تاريخها الممتدّ على مدار آلاف السنين للتدمير والحرق والنهب مراراً وتكراراً، ولتهجير سكانها أو ذبحهم مرة تلو أخرى. كما تعرضت لزلازل قوية وأوبئة خطيرة كبّدت المدينة خسائر فادحة والسكان أضراراً جسيمة. إن كان قد تسنّى لهذه المدينة رغم كل المحن والكوارث أن تنبعث وتزدهر على الدوام من جديد، فمردّ ذلك بالدّرجة الأولى إلى عزيمة أبنائها التي لا تنثني، وإقدامهم الذي لا يتزعزع، وإلى مرونتِهم العالية وقابليتهم للتكيف على الدّوام». لكن، من هم الحلبيون اليوم؟ هل هم من بقي في المدينة، ودأبت مواقع ومنابر على التلميح حيناً، والتصريح أحياناً، بأنهم مجرد «مستوطنين وشبّيحة»؟ أم هم الوافدون من أريافها، ممّن يتعالى عليهم البعض بخطابات شوفينية عجيبة؟ أم أبناؤها الذين تهادتهم جهات الأرض، بعد أن هُجروا منها، وراح البعض يكيل لهم تهماً بـ«العمالة والارتزاق»؟ هم ببساطة، كل أولئك مجتمعين، ولا منّة لأحد. من أهم خصائص حلب عبر التاريخ، أنها حافظت على بنية «كوزموبوليتية» حقيقية. فتحت أبوابها للجميع، من كل الصعد والمستويات، دينية وطائفية، وعرقية، ريفية ومدينية. حلب، مدينةٌ تهبُ اسمها لكل من سكنها، وسكنته. وهي مدينة لم تحكمها عائلة «حلبية» عبر تاريخها، ما يدُل على انتفاء «العصبية الحلبية» عنها. ثمة كثير من العائلات التي تعد اليوم «حلبية عريقة» هي في الأصل عائلات وافدة من الأرياف، لا الريف الحلبي فحسب، بل من مختلف الأرياف، بما في ذلك أرياف لواء إسكندرون المحتل، وأرياف تركيا، والعراق، وسواهما. من بين العائلات «العريقة» عائلات كردية، وأخرى سريانية، وأرمنية، ومن مختلف الملل والطوائف. كلهم حلبيّون، ويصحّ الحديث عنهم بما قاله عام 1683 شوفالييه دارفيو، القنصل الفرنسي في حلب: «إن الناحية الاستثنائية التي تميز الحلبيين بشكل مشرّف عن جميع سكان الإمبراطورية العثمانية، أنهم الأكثر رقة في أخلاقهم، والأقل خبثاً، والأكثر وداعة على مساحة هذه الإمبراطورية الواسعة. ومن المحتمل أن اسم المدينة استخلص من طبائعهم الطيبة، لأن كلمة حلب تعني حليب في اللغة العربية».

ثمّة وجه آخر للدهشة، وجه قد يفوق كل ما سبق، وخلاصته «حكومةٌ لديها حلب»، لكنّها لا تعرف قيمة ما لديها.