وقفُ إرهاب الوسادة غير ممكن، فهي تمثل محكمة تفتيش دائمة تؤرق ليلي، مثلي مثل فتيات سوريات كثيرات وحيدات قويات غير مدينات لأحد سوى باعتراف لها، مملكة الوسائد المُرْهِقة والمُرهَقَة برؤوس تغفو وتُسطِّر يومياتها على وجهها المفتوح على بطانة داخلية لونها أقرب إلى لون العتمة ورائحتها أقرب إلى رائحة العزلة وقد تخمّرت لسنوات، نعم، للعزلة رائحتها. تُشبه رائحة العزلة رائحة الحليب الساخن الذي لا أحب أن أشربه أبداً، ولأنني لا أحبه، فأنا أُغلق عينيّ وأنفي وأحاول أن أشرب الكأس عندما أضطر دفعةً واحدة من دون أن آخذ شهيقاً واحداً، هي شهقة زفير واحدة طويلة تأتي في نهاية الرشفة الأخيرة من الكأس.

للوسائد ضحاياها كما لمحاكم التفتيش المُقدسة الذائعة الصيت، مع فارق بسيط أو كبير ربّما، أن ضحايا الوسائد غير معلنة، درجة تعذيبها أكبر وأكثر صخباً وضجيجاً رغم صمتها، فأنتَ وحيد معها على الدوام، بإرادتك ترحل إليها، الوسادة لا تتعب ولا تكفّ عن محاولات تسللها إلى رأسك الصغير، ووجعها موسم دائم لا ينضب، تبدأ استجوابك مع غروب الشمس وبدء «سيران» الليل الطويل، الوسادة لا تُحاورك، لا تُفاوِضك، لا تُخفض رأسها أبداً، بل تُخفِض رأسك عندما تنام على خدّها، فإما يغمرك الغطاء بعد قليل غرقاً في الحلم أو يلفظك فتطفو على وجهك هرباً من كابوس مُزنّر بالألم، وعندما تقرر وسادتك أن تحاورك، فهي لا تأخذ حديثك على محمل الجد، هي فقط تُجاملك وحديثها يكون أقرب إلى المبادئ العامة والقضايا الكبرى، وأنا لا أحب القضايا الكبرى ولا أؤمن بها.
من وجهة نظر وسادتي، أنا إنسانة متطرفة. وكلمة «متطرفة» كما تترجمها هي أنني «أنثى ولكن بشارب». الشارب هنا كما تضيف «ليس انتقاصاً من الأنوثة أبداً»، هي تقول إني «أخذت دوري ودور الرجل»، وإني كنت في أحيان كثيرة «الصفر وكل الوقت»، لا أعرف معنى هذا الكلام وما الذي يعنيه، كل ما أعرفه وما وصلني منها بالضبط أنها لا تفضل نوعي من الفتيات، بل تفضل الفتيات المعتدلات من ذاك النوع الذي يشبه «منطقة منزوعة السلاح»، الفتيات اللواتي يبردن بسرعة كما «وجبة جاهزة»، الفتيات اللواتي تكفي معهن «يد مخنوقة معصوبة العينين ليسقطن مغشيّاً عليهن».
حاولت أن أنجو بنفسي مرات عديدة، رميتها، استبدلتها بأخرى، غسلت وجهها، غيرت ألوانها، داعبت وجهها، أخرجت أحشاءها إلى الشمس، لكن، لا فائدة. في أحيان كثيرة أردت أن أبقى، أن أغفو مرة واحدة وللأبد... هل تصدق؟ أردت ألا أصحو، كي لا يقبض عليّ أحد متلبسة بعد الآن بالحياة، لم أرغب أن أكون على قيد الحياة بعد الآن، أردت أن أسلّم نفسي وجعبتي لوسادتي المفخخة. في المرة الأخيرة التي غفوت فيها، قاومت كثيراً كي لا أستيقظ، كي لا أنجو، لكنّي فشلت، وعندما فشِلت محاولاتي مع الوسادة واستيقظت، جرّبت أن أتفاوض مع ذاكرتي كونها الطريق إلى راحة الضمير، وهذا ما حصل، نجحتُ مع ذاكرتي، لكني عدت وفشلت مع ضميري الذي كان أقرب إلى «قرصان» رقد بجانبه صندوق خشبي صغير بداخله وثائق من زمن المفوّض السامي الفرنسي الكونت دامين دو مارتيل، وثائق كان يمكن أن تمنحني في الماضي نوعاً من الاستقلال والتحرر من انتداب الإنسان للإنسان، انتداب من نوع آخر، ذاك الذي تنتظره بأمل وتبدو معه كأبله في حياة بلهاء وكل من حولك واعٍ، انتداب بفروض وشروط، تعاركنا كثيراً ودخلنا في نزاع، وأفضى نزاعنا أخيراً إلى باب مفتوح، خرجت منه، وعندما خرجت كان قد مضى الكثير من الوقت لأقول لنفسي «فات الوقت»، لم يبق من مجال أمامي سوى الركض، صارت الحرية في نظري هي الركض، كلما ابتعدتُ كيلومتراً واحداً عن المركز زادت حريتي آلاف الكيلومترات، ما زلت أركض حتى الآن، على وجه الوسادة وعلى وجه الأرض وعلى وجه الحلم والكابوس أيضاً.
قبل سنة من الآن، سقط زجاج نافذتي، قبل ذلك، كان للقلب نوافذه أيضاً، كانت الوسادة في ذلك الزمن تمنحني وقتاً وكوابيس محشوّة بالأحلام، أحلام مليئة بسلال العنب، أحمر، أبيض، أسود، كان فيها رمان أيضاً، وبعض البرتقال، كنت استوي على عرشي بعد أن أتسلق عريشة العنب، أتربّع بعدها بجانب أبي وأمي على وسادة من حجر، سعيدة ممتلئة بالفرح إلى أن يهطل المطر وتأتي طائرة الورق، وكنت أنتظر بعد طائرة الورق أن يأتي طائر النورس، قليل من الوقت فقط ويأتي بعدها طائر النورس، سأمتطي ظهر النورس، همست لي وسادتي أخيراً: لقد نجوتِ.