أطاحت موجة الحرائق التي شهدتها سوريا منتصف الشهر الحالي، بمساحات خضراء واسعة، في أرياف حمص وطرطوس واللاذقيّة. يروي بعض أبناء «وادي النضارة» ذكريات ذلك اليوم المشؤوم، فيما تنادت جهات أهليّة عدة لإطلاق حملات تشجير عاجلة، أملاً في تعويض مستقبلي. تبدو الدعوات طموحة، لكن الحكم يبقى رهناً بتنفيذها، للحيلولة دون استنساخ المشهد المخزي المهيمن على أجزاء من ريف اللاذقية وجبال كسب، شبه العارية من جرّاء حرائق مفتعلة، وأعمال «تحطيب» استهدفتها في السنوات السابقة.

يمسك جورج غصن شجرة متفحّمة ذهبت ملامحها، ولم يبق فيها شيء يدل على ما كانت تحمله، أو أي خير كانت تعد به. يرمق ما تبقى من بستانه بعينين دامعتين، وهو يودع تعب سنوات، وموسماً كان من المفترض أن يحمل معه الخير، ويعينه على تأمين بعض مستلزمات حياته. بحسرة، يشرح لنا الرجل أن أرضه كانت من بين الأراضي التي تضرّرت بفعل الحرائق الأخيرة، التي اشتعلت في ريف حمص، وتحديداً في منطقة «وادي النضارة»، المعروفة شعبيّاً بـ«وادي النصارى»، وهي واحدة من أبرز مناطق الاصطياف في سوريا. لا يملك جورج أي مخططات جديدة في الوقت الحالي. الصدمة لا تزال طازجة، ولا يزال شكل الحرائق يرتسم في مخيلته طوال الوقت. لم ينسَ الرجل دموع أفراد أسرته، وهم يحاولون المساعدة في إطفاء الحرائق، من دون جدوى.

ساهم تعاون الأهالي في تخفيف الأضرار في المباني التي طاولتها الحرائق


كانت الحرائق قد اندلعت يوم الإثنين، 14 تشرين الأول، في عدد من قرى الوادي، وانتشرت بسرعة بفعل الرياح، لتطاول الأراضي الزراعية والحرجية، في قرى الناصرة والمشتاية وعين الباردة وحب نمرة والزويتينة، وغيرها. لم تقتصر الحرائق على ريف حمص، إذ شهدت محافظة طرطوس 18 حريقاً حرجياً، و29 حريقاً زراعياً. أما محافظة اللاذقية، فشهدت 11 حريقاً حرجياً، و30 حريقاً زراعياً، وذلك بحسب تصريح صحافي لوزير الزراعة، أحمد القادري. يخبرنا نافع، وهو من قرية عيون الوادي، بأن النيران اشتعلت بالقرب من قريته، في منطقتين حرجيتين، وأحاطت بمدجنة ومبقرة في المنطقة. تساعد سكان القرية لإنقاذ الدواجن والمواشي، ما حال دون وقوع أضرار كبيرة. يؤكد نافع أن «ذلك اليوم كان عصيباً للغاية». ويقول «استمرت النار ساعات طويلة. وبعدما تم إخمادها من قبل فرق الإطفاء، عادت في الليل لتشتعل من جديد». يقول لـ«الأخبار» إنه «من حسن الحظ أن النيران كانت بعيدة عن بيوت الناس وأرزاقهم، لكن الخسارة كانت كبيرة بشكل عام، إذ فقدت المنطقة الكثير من خضرتها، وتحولت إلى مساحة كبيرة من الأشجار المتفحمة».

النار «تحب الثقافة»!
تروي أوديت ديب، وهي «مديرة المركز الثقافي» في بلدة مرمريتا، بعض ما عاشته البلدة في ذلك اليوم الأسود. تقول «حين اندلعت النيران، خرج الجميع للمساعدة في تخفيف آثارها، وبدأوا برشّ المياه على البيوت الموجودة في الجبل، في محاولة لمنع النيران من الوصول إليها». توضح الديب، أنها حاولت الوصول إلى «المركز الثقافي» لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن الوضع كان كارثياً، إذ كانت النار تحيط به من كل الاتجاهات، لذلك طلب منها رجال الإطفاء المغادرة وعدم الاقتراب، حفاظاً على سلامتها. بالنتيجة كانت الأضرار التي طاولت المبنى كبيرة، بفعل وجوده على جبل، بالقرب من غابات السنديان المعمرة. لا تنسى أوديت الرعب الذي عاشته المنطقة يومها، ولا ألسنة اللهب التي حوّلت بلدتها الخضراء إلى منطقة حمراء مشتعلة، لتمسي بعدها بلون الرماد. تقول إنهم اعتادوا وقوع مثل هذه الحرائق في الماضي، لكن الوضع هذه المرة كان مختلفاً فهو أشد حريق شهدوه، خاصة أن الرياح كانت تنقل النار من بقعة إلى أخرى بسرعة كبيرة.

مبادرات أهلية للتعويض
لم يمض وقت طويل على الفاجعة، حتى تنادت جهات أهليّة عدّة إلى إطلاق حملات إعادة تشجير. كان من أوائل المنادين، الشاب عبدو جرجس من قرية المزينة. كتب جرجس منشوراً على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، داعياً إلى إطلاق حملة تشجير، بحيث يحمل كل متطوع شتلة ويزرعها مكان شجرة محترقة. قدّر جرجس أن الوادي الذي يضم نحو مئة ألف نسمة، يمكنه الاستفادة من طاقة شبابه وهمتهم ، الذين قد يبلغ تعدادهم حوالى خمسين ألفاً. ما يعني، في حال مشاركة الجميع غرس 50 ألف شتلة جديدة، تسهم في تعويض الخسارة. لاقت دعوة جرجس رواجاً كبيراً، وقوبلت دعوته بتفاعل من جهات عدّة أبدت استعدادها لدعم الحملة. يوضح عبدو لـ«الأخبار» أنه لاحظ أنّ حملات عدة قد أُطلقت لتحقيق الغاية نفسها، فبدأ بالتواصل معهم لتوحيد الجهود. من بين تلك الحملات مبادرة أطلقها رامي سمعان، من بلدة المشتاية، وهو طالب هندسة زراعية في جامعة حلب. وأخرى دعت لها حلا أحوش، وهي «رئيسة مكتب مؤسسة الشهيد ــ فرع الوادي». كان من نتائج التواصل بين المبادرين، عقد اجتماع في «فندق الوادي». حضرت الاجتماع جهات تطوعية عدة، بالإضافة إلى الفرق الكشفية في المنطقة، وشخصيات دينية. ووفقاً لجرجس، فقد تداول المجتمعون في طرق تخطيط الحملة، لا سيّما أن البدء بالتشجير يستوجب استباقه بخطوات تمهيديّة. «لا بدّ من إزالة الأشجار المحروقة، وتنظيف التربة من الرماد. كما لا بدّ من هطول الأمطار، كي تترطب التربة وتصبح مهيَّأة للزراعة»، يقول.
لم تقتصر الجهود الأهلية على أبناء المنطقة المنكوبة. راجت في دمشق والسويداء، دعوات لإطلاق حملة مشابهة، وضعت شعاراً لها «إرجاع النضارة». وحتى الآن، لاقت الدعوة صدىً واسعاً، وساهمت بعض الوجوه الفنية والإعلامية في الترويج لها. يقول مؤسس الحملة، جورج نوفل، لـ«الأخبار» إن «الحملة شبابية، ولا تتبع جهة حكومية معينة. لكنها تسعى للحصول على ترخيص من الجهات المعنية، وتهتم بالتعاون مع أي مبادرة مشابهة». ويضيف «لهذا أقمنا شراكة مع مؤسسة التطوير البيئية، ومع حملات أخرى». يوضح نوفل أنه «من المقرر تنفيذ الحملة مطلع الشهر القادم». ويقول «هذا موعد أوّلي، والالتزام به مرتبط بتوافر التبرعات الكافية، لتغطية ثمن الشتلات، ونقل المتطوعين بالباصات وتأمين أماكن إقامة لهم. كما أنه مرتبط بعوامل الطقس، وتوافر الظروف الملائمة للسفر». يشير الشاب إلى محدودية التبرعات التي وصلتهم حتى الآن، رغم الدعم المعنوي الكبير الذي تلقوه من الجميع. ويؤكد أن الحملة ستستمر، حتى ولو لم تتلقّ كل الدعم المتوقّع. كذلك، يؤكد أنّ التشجير «سيكون تحت إشراف مهندسين زراعيين، وسيكون نطاقها أوسع من وادي النضارة فقط. ستمتد لتشمل اللاذقية وطرطوس مستقبلاً».