تحاول والدة الطفلة رهف بسام الحسين مغالبة البكاء، وهي تتحدث عن ابنتها بصوت متهدج. تقول «لم أكن أعلم أن إرسال ابنتي إلى المدرسة بقصد التعلم، سيتحول يوماً إلى مسبب لفاجعة أعيشها وعائلتي». تفشل السيدة الأربعينية في حبس دموعها، تتوقف عن الحديث قليلاً، ثم تمسح دموعها بطرف منديلها، وتكمل حديثها مع «الأخبار» بالقول «قادها سوء الحظ إلى لغم أفنى حياتها». ليست رهف سوى حالة من حالات كثيرة تحوّل ضحاياها إلى أرقام، على عدّادات الحرب السورية. ووسط تسارع الأحداث، بات خبر من طراز «استشهاد خمسة أطفال وجرح آخرين، من جراء انفجار لغم من مخلفات تنظيم داعش الإرهابي»، أشبه بخبر عابر، مرشح للتكرار بين وقت وآخر. كانت الطفلة رهف واحدة من أولئك الأطفال الخمسة، الذين قضوا في أواخر شهر تشرين الثاني الماضي، بينما كانوا يلعبون في باحة مدرستهم خلال الاستراحة، قبل أن ينفجر اللغم ويضع حداً لحيواتهم (مدرسة ابن سينا، في قرية الطيبة، التابعة لمدينة الميادين في ريف دير الزور).

يجلس الخمسيني عبد الكريم الدرويش على طاولة خشبية، تحت شجرة الصفصاف، وسط أرضه. يقول «هناك مساحات واسعة من أراضينا لا نستطيع المشي فيها من دون قلق. كل خطوة يجب أن تكون محسوبة؛ فخطوة واحدة قد تكلف أحدنا حياته». الدرويش، وهو والد الطفل أحمد، أحد الشهداء الخمسة، يقول بحرقة «كان من المفترض أن نضيف المدارس إلى تلك الحسابات، لأنها أيضاً كانت مقارّ للدواعش». أشرف الطبيب عصام العرفي على عمليات إنقاذ الأطفال الجرحى في انفجار «ابن سينا». العرفي، وهو معاون مدير «مشفى الأسد الجامعي» في دير الزور، يقول لـ«الأخبار» إن «يوم الرابع والعشرين من تشرين الثاني لم يكن كغيره من الأيام في مسيرتي الطبية، كنا أمام فاجعة إنسانية». ويضيف «قمنا، نحن أفراد الكادر الطبي، بالعمليات اللازمة للجرحى، بالرغم من حالة الذعر التي سيطرت على المكان. هذه المواقف تتطلب القوة والحزم وحسن التصرف، للتعامل مع الحالات الحرجة على أفضل وجه».

الناجون... ضحايا أيضاً
يحتاج المرء حظّاً مضاعفاً ليخرج من انفجار لغم سليماً معافى. ويظل كثير من المحظوظين الذي لا يموتون، ضحية لأنواع مختلفة من الإصابات، مثل الجروح الناجمة عن الشظايا، والحروق. وقد يتطلب إنقاذ حياة واحدهم بتر طرف من أطرافه، أو أكثر. بطبيعة الحال، يترافق ذلك مع صدمة نفسية، للجريح وذويه. يروي الطفل عمر الحلبي ذكرياته عن يوم إصابته في مدينته دير حافر، في ريف حلب الشرقي، أواخر عام 2016. يقول: «كنا عم نلعب أنا ورفقاتي جنب البيت. شفنا حديدة بتشبه الكرة، صرنا نلعب معها، وانفجرت فينا». ظل عمر، الذي تجاوز العاشرة بقليل، على قيد الحياة، لكنه فقدَ طرفين: علوي، وسفلي. رُكّب للطفل طرفان صناعيان، بعد إصابته بسبعة أشهر.

قدّرت الأمم المتحدة عدد السوريين المهددين بخطر الألغام بـ8.2 ملايين


يتمتع عمر ببديهة حاضرة وحس فكاهة، ويمتلك ذاكرة قوية، إذ لا يزال يحتفظ بكامل تفاصيل إصابته. يقول «لما انفجر فينا اللغم، حسيت إنو عيوني صارت بالسما، وإجري متلها متل الحجر، ما عاد حسيت فيها، والتراب وجسمي صارو لون واحد». يتمنى الطفل أن يصبح طبيباً في المستقبل، ويقول «الإصابة ما بتمنع من تحقيق حلمي، حلمي كبير ورح حققو».
يحكي سوار جركس عن إصابته، إثر انفجار لغم أرضي، خلال تمشيط وحدات الهندسة لإحدى مناطق ريف اللاذقية. يقول «لا تُفرق الألغام ما بين مقاتلين يحملون السلاح، ومدنيين لا يحملونه. هي لا تخطئ الهدف، وتردي الضحايا بلا تمييز». تركت الإصابة أذيّة عصبية وحركية في يدي الجندي العشريني، فضلاً عن شظايا في أنحاء مختلفة من جسده. يستذكر الشاب لحظة إصابته، ويقول: «أثناء استكشافنا للمنطقة، انفجر اللغم فجأة. للوهلة الأولى، خُيل إلي أنني استشهدت، ثم قدم رفاقي نحوي، واستطعت سماعهم. تأكدت عندها أنني ما زلت على قيد الحياة، مع إحساسي بألم مبرح في جميع أنحاء جسدي». يكشف جركس عن يده اليسرى، ويومئ نحو شظية تحت الجلد، تمنعه من الحركة. ثم يستأنف حديثهُ بالقول «العمل في مجال الهندسة ممتع، وخطر في الوقت نفسه، لكنني أحبه كثيراً. حالياً تقف يدي بيني وبين العمل، لكنني سأعود إلى عملي في أقرب وقت، وبأفضل مما سبق».

«لا تقترب... احمِ نفسك»
يتحدث أحد ضباط «وحدة الهندسة» المختصة في تفكيك الألغام والعبوات عن خطورة اللغم، فهو «يحتاج إلى حوالى خمس دقائق لزرعه. ولا يحتاج سوى إلى أجزاء من الثانية لإرداء من يقترب منه، ويخلفه إما جثة هامدة، أو جريحاً». يقول لـ«الأخبار» إن المجموعات المسلّحة «تلجأ عادة إلى زرع الألغام، بغية إعاقة تقدم الجيش مع كل خسارة لها، وتُفخخ الأراضي المرشحة للخروج عن سيطرتها بالألغام، وطبعاً من دون توافر خرائط لتوزع تلك الألغام». يشير الضابط بسبابته نحو عبوة ناسفة مصنّعة محلياً، تزن حوالى 2 كلغ، وكانت مزروعة في إحدى سيارات منطقة السخنة، في ريف حمص الشرقي، قبل أن تكتشفها وحدة الهندسة وتقوم بتفكيكيها. يقول «جميع أنواع وأشكال الألغام والمتفجرات التي صنعها الإرهابيون، تكون خطرة جداً أثناء التعامل معها، وذلك بسبب صناعتها بطريقة بدائية. هي عبارة عن خلائط كيميائية، واحتمالات انفجارها كبيرة في أي لحظة».
يؤكد الضابط أن «الجهات المختصة تقوم بتحذير المواطنين الذين يعودون إلى منازلهم في المناطق المحررة، وتنبّههم إلى عدم التعاطي مع كل الأشكال والأجسام الغريبة، وعدم الدخول إلى المناطق التي لم يتم الكشف عليها من قبل عناصر الهندسة، وخاصة بالنسبة إلى الأطفال». وعلى امتداد السنوات الماضية، تلقّى أبناء كثير من المناطق السورية رسائل توعية عبر هواتفهم المحمولة، من قبيل «مخلفات الحرب المتفجرة خطرة. لا تلمس، لا تقترب، احم نفسك، بلّغ فوراً عنها». كما أطلقت حملات توعية عديدة، نفذها بعض المنظمات غير الحكومية. ورغم ذلك، يظل الافتقار إلى الوعي الاجتماعي بمخاطر الألغام وغيرها من مخلفات الحرب سيد الموقف.
لا توجد آلية شاملة لجمع بيانات دقيقة عن ضحايا الألغام والمتفجرات في الحرب السورية. وتكتفي المنظمات الدولية، بما فيها «الأمم المتحدة»، بالقول إن «ملايين الأشخاص في سوريا مهددون بالتعرض لأذية مخلفات الحرب، وعلى رأسها الألغام». وتعد فئة الأطفال الأكثر عرضة لهذه المخاطر. وفي أيلول، من العام 2018، قدّرت تصريحات «دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام/ UNMAS» عدد السوريين المهددين بخطر الألغام بـ8.2 ملايين.