في سهل البقاع اللبناني، يعيش نحو 330 لاجئاً في مخيم «019» المعروف أيضاً باسم «ممدوح فياض». ضمن 53 خيمة، تقطن 110 عائلات في المخيم الذي يقع في منطقة سعدنايل (البقاع الأوسط)، والذي أنشئ في عام 2012. لم تكن المرة الأولى التي تهاجم فيها الجرذان سكّان المخيم وهم نيام، عندما أفاقت أمّ جميل على صراخ رضيعها (ثمانية أشهر) وقد نهش أحد الجرذان جبينه وتركه مُدمى. فقد تعرّض المخيم مع بداية العام لهجوم القوارض، وأصيب يومها سبعة أطفال بجروح نتيجة قضم الجرذان أجسامهم الصغيرة.

يقول أحمد عياش، والد الطفل جميل، في حديث إلى «الأخبار»: «نعيش كابوساً يومياً بسبب الجرذان، التي لم ندّخر طريقة لمكافحتها أو التصدي لها لكن من دون جدوى». ويضيف: «نعيش في خيم منذ قرابة الثماني سنوات، قمنا برفع جدران بسيطة ووضعنا إسمنتاً في أرضية الخيم لكن الجرذان كانت تنبش الأرضية وتدخل إلى الخيم».
يشرح عياش الذي يعمل في بيع الخضار والمسؤول عن «أمن المخيم»، أنّ «وجود مسلخ مخالف في جوار المخيم، يتسبّب بكثير من المشاكل الصحية للمخيم... تقدّمنا بالعديد من الشكاوى إلى السلطات اللبنانية والمفوضية العليا للاجئين والمجلس النرويجي ومنظمة أطباء بلا حدود، وغيرها من الجهات التي زارت المخيم ولم تقم بأيّ خطوة سوى الكشف على المخيم وتصويره». ويقول إنّ «عدداً كبيراً من السكّان أُصيب بأمراض مثل الربو والحساسية نتيجة مخلّفات الذبح والدماء التي تُرمى بالقرب من الخيم».
«لا حلول»
تقول «مختارة» المخيم، جواهر عساف، إنّ استخدام المعقّمات والمنظّفات لم يكن كافياً لإبعاد الجرذان، التي «قضمت أذن طفل وأطفأت عين آخر، وأخيراً اقتلعت جزءاً من جبين جميل، وغيرهم كثر» . وتضيف أنّه «حين بني المخيم، لم نكن نعلم مدى خطورة المسلخ، وخاصة أنّ الأخير يعمل في الخفاء، إذ يقوم بذبح الذبائح في ساعات الليل، ويفتح الدماء على البساتين المجاورة والمخيم». وتشرح أنّ «الشكاوى وصلت إلى وزير الصحة السابق وائل أبو فاعور، وقامت وقتها وزارة الصحة بإغلاق المسلخ بالشمع الأحمر، ولكنّ صاحب المسلخ له نفوذ، فعاد وفتحه من جديد».
تتابع الناشطة مزنة الزهوري، حال سكان مخيم «019»، وهي كانت أول من نشر معاناتهم. تقول الزهوري لـ«الأخبار» إنّه «لا يستطيع الأهالي نقل مخيمهم إلى مكان آخر، لأنّ هذا ممنوع من قبل أمن الدولة بسبب القوانين»، مضيفة: «يدفع أهالي المخيم بين 800 ألف ومليون ليرة لبنانية عن كل خيمة بشكل سنوي، بالإضافة إلى وجود مدفوعات شهرية لاشتراكات الكهرباء وبدل شراء الماء». وتشرح أنه «منذ أشهر صدرت قوانين جديدة، تضمّنت دفع أصحاب الأراضي المبنية عليها المخيمات، للضرائب، فقام هؤلاء بتقسيم المبلغ على اللاجئين الذين يقطنون الخيم، والمبلغ في هذا المخيم يعادل 600 دولار عن كلّ خيمة».
وعن مخاطر مخلّفات المسلخ، ترى الزهوري أنّ «ما يحدث لسكان المخيم يعدّ جريمة كُبرى، ولا حلول أمامهم، سوى مناشدة السلطة عن طريق وسائل الإعلام، لعلّها تتخذ إجراءات مباشرة تحميهم. فصاحب المسلخ يقوم بإجراءات الذبح في الليل، ويحبس الدماء في خزان معدني صغير لبعض الوقت، ثم يفتح الخزّان على الساقية، ما يزيد من خطورة الوضع حالياً في الشتاء، وهو أسوأ في الصيف». وتضيف أنّ «أصحاب الأراضي المجاورة، في هذه الفترة من السنة، يغلقون الساقية التي تتجمّع فيها المياه وتجري بين الأراضي، ويمنعون تجمّع المياه فيها، لأنّ الأمطار تروي البساتين بشكل مباشر. وعدم جريان الماء في الساقية، يراكم النفايات والدماء الفاسدة والجرذان والديدان، ويزيد من انبعاث الروائح القاتلة».
وساهم تدهور الأوضاع الاقتصادية في لبنان، أخيراً، وانعدام المساعدات التي كانت تقدمها مفوضية شؤون اللاجئين وبعض المنظمات، إلى جزء من اللاجئين، بالتوازي مع «قيود منع العمل» الصارمة التي تفرضها الدولة اللبنانية، في تردّي الواقع الصحي للاجئين، ووضعهم أمام خطر حقيقي. والآن ومع انتشار وباء «كورونا» في لبنان، يُطالب سكان هذا المخيم الجهات اللبنانية الرسمية ومفوضية شؤون اللاجئين، إلى جانب المنظمات الدولية المعنية بهذا الشأن، بحماية حياتهم المهدّدة بالخطر.