منذ اللحظة الاولى التي تدخل فيها محيط ملعب «نو كامب» الخاص بنادي برشلونة بطل اسبانيا، تشعر انك امام تجربة فريدة من نوعها تختلف كثيراً عن تلك التي تشاهدها خلال حضورك أي مباراة للفريق الكاتالوني العريق


برشلونة ــ شربل كريم
يدخل ملعب «نو كامب» ضمن لائحة ابرز المعالم السياحية في مدينة برشلونة. فهناك المتحف الشهير الذي يؤرّخ تاريخ النادي الكاتالوني منذ تأسيسه حتى اليوم. «تجربة نو كامب» كما أطلق عليها، تكلّف 19 يورو، يدخل بعدها الزائر في مسار مرسوم بدقة يقوده من المتحف الى ارض الملعب، مروراً بجميع الاقسام المهمة في النادي، ما عدا مكاتب الادارة طبعاً.
ورغم عجقة الزائرين في المتحف، يجد المرء نفسه مجبراً على الصمت في ظل الموسيقى الكلاسيكية الهادئة التي يقاطعها احياناً صوت احد المعلّقين الذي يمجّد إنجازاً معيّناً لبرشلونة. وفي هذا المتحف يمكن الاطلاع على كل الحقبات التي مرّ بها النادي الذي كسب شهرته في ميادين كرة القدم. لكن لا تغيب أيضاً عن زواياه الانجازات في الالعاب الاخرى، مثل كرة السلة وكرة الصالات وحتى الهوكي.
رائحة التاريخ تعبق في المكان. فالكؤوس المختلفة موجودة على الرفوف، وتجبر كل المشجّعين الحاضرين على التحديق إليها طويلاً، حيث يمرّ شريط ذكرياتٍ ما امام اعينهم، وخصوصاً عند مشاهدة تلك الكؤوس التي غنمها «البرسا» في العصر الحديث، وعلى رأسها دوري ابطال اوروبا، التي لا يفوّت اي مشجعٍ الفرصة لالتقاط صورة تذكارية الى جانبها.
وربما اكثر الاماكن جاذبية للزائرين هي تلك المزيّنة بصورٍ تاريخية للنجوم الكبار الذين مروا في تاريخ النادي، أمثال «الاسطورة» الارجنتيني دييغو أرماندو مارادونا و«الهولندي الطائر» يوهان كرويف. كذلك تلفت الملابس القديمة التي كان يرتديها اللاعبون، ومنها الصوفية الخاصة بحارس المرمى الذي كان يرتدي في العشرينيات قفازات صنعت من الصوف أيضاً!
ولم يُغفل مهندسو المتحف أي تفصيل خاص بتاريخ برشلونة، إذ تجد حتى قصاصات لأبرز عناوين الصحف القديمة التي تسرد انجازاً معيّناً للفريق. وبالتأكيد هذه الصحف تنتمي الى اقليم كاتالونيا الذي يجد في النادي ومتحفه معلماً سياحياً يفترض بكل سائح في المدينة المرور به. لذا فإن الباص الذي يجوب الاماكن السياحية الرئيسة في المدينة يتوقف عند «نو كامب»، إضافةً الى انه عند البحث على شبكة «الإنترنت» عن ابرز المعالم في تلك المدينة الساحلية الجذابة، تجد ان متحف «البرسا» وُضع في مركزٍ متقدّمٍ على لائحة اكثر الاماكن زيارة.
ولا يرتبط كل شيء باللاعبين في هذا المتحف، اذ هناك اشارة بوضوح الى اهمية الاعضاء المنتسبين الى الجمعية العمومية الذين يعرفون بالـ«سوسيو».
لذا وضعت بين «التحف» البطاقة الخاصة بالرئيس المؤسس جوان غامبر، ويعود تاريخها الى الاول من نيسان عام 1929 وتحمل الرقم 1، وهو تقليد متّبع مع الرؤساء المتعاقبين على رئاسة النادي الذين يُختارون بعناية في انتخابات تحدث ضجة في اسبانيا توازي تقريباً الجلبة التي تسبق اي انتخابات سياسية.

كل شيء ملك للنادي

وبين تلك اللوحة المرسومة التي علّقت احتفالاً باليوبيل الذهبي للنادي، والحجر الأساس الذي وضع إيذاناً بتشييد ملعب «نو كامب» في 19 شباط عام 1922، زيّنت المساحة بالجوائز الفردية التي احرزها نجوم «البلاوغرانا» السابقون والحاليون لدرجةٍ يبدو فيها الوضع كأن كل شيء يملكه النادي لا اللاعبون. وهنا الحديث عن الكرة الذهبية الخاصة بالبلغاري هريستو ستويشكوف التي وضعت الى جانب قميصه الرقم 8، اضافةً الى الجائزة عينها التي احرزها «الملهم» ليونيل ميسي الوحيد الذي وضعت صورة عملاقة له في المتحف، وتحديداً في الزاوية التي وضع فيها الحذاء الذهبي الذي ظفر به هذا النجم. كذلك تحتضن علبة زجاجية أخرى أول حذاء ارتداه ميسي في موسمٍ كامل له مع برشلونة، والى جانبه القميص الرقم 10 وكرة تحمل توقيعه.
وتستكمل الجولة بدخول الزائرين الى قاعة سينمائية تكثر فيها الشاشات العملاقة التي تعرض بتعليق حماسي ابرز اللحظات التي عرفها النادي، واهمها هدف الهولندي رونالد كومان في مرمى سمبدوريا الايطالي (1-0) الذي منح اول لقبٍ لبرشلونة في المسابقة الاوروبية الأم عام 1992، يليه هدف البرازيلي جوليانو بيليتي الذي توّج النادي باللقب الاوروبي الثاني على حساب ارسنال الانكليزي (2-1) في باريس عام 2006، واخيراً هدف ميسي في 2009


الجوائز الفردية للاعبين كالكرة الذهبية هي ملك النادي
الذي حقّق لقباً ثالثاً، تاركاً مانشستر يونايتد الانكليزي (2-0) ومشجعيه يذرفون الدموع فوق الملعب الاولمبي في روما.
وفجأة يعود الزائر الى الحاضر بوصوله الى قاعة المؤتمرات الصحافية والمنطقة المخصصة للصحافيين التي تضجّ فيها اصوات المعلّقين بكل اللغات (حتى العربية)، وصولاً الى مدرجات وأرض الملعب التي تسبق الدرج المؤدي إليها بأمتارٍ قليلة كنيسة صغيرة كتبت عبارة وحيدة فيها باللغة الكاتالونية: «باسم الآب، الله فعل أشياء رائعة لي».
وفي ختام الجولة تدرك أن «غسل دماغ» قد أجري لك. فعشق برشلونة ازداد اضعافاً، وبالتالي لا تريد ترك المكان من دون اخذ تذكار، فتكتشف انك كنت امام رحلة تاريخية ـ تسويقية تضعك في النهاية في المتجر الذي يبيع كل شيء مرتبط بالنادي لكل الاعمار، بأسعارٍ باهظة جداً.
لكنّ الغالبية الساحقة من الزائرين لا يجدون مشكلةً في بذخ الأموال انطلاقاً من فكرة أنهم يسهمون في اضافة المزيد من النجاح الى نادٍ لم يعرف سوى المجد لأعوامٍ طويلة ويرى في حصد الالقاب على حساب الغريم الأزلي ريال مدريد انتصاراً للإقليم المعارض الدائم لحكومة العاصمة.


إسبانيول النادي الكاتالوني الأصيل

يبدو القطب الكروي الآخر في مدينة برشلونة، إسبانيول كأنه غير موجود؛ إذ إن «البرسا» احتكر الأكثرية الساحقة من محبي كرة القدم. إلا أن الكاتالونيين المتعصّبين يرون في إسبانيول النادي الأصيل في المدينة، والسبب أنه أُسِّس على أيدي السكان المحليين، بينما أسّس نادي برشلونة رجل سويسري يدعى هانس غامبر عُرف لاحقاً باسم جوان غامبر.