اليونان ترزح تحت الأزمة الاقتصادية. كرة القدم في البلاد تحتضر للسبب عينه. لكن الأسوأ من كل هذه العناوين التي باتت كلاسيكية هو وضع المنتخب اليوناني الذي سجّل حضوراً مميزاً في الصيف الماضي في نهائيات كأس العالم، بينما بات الآن واحداً من المنتخبات المتواضعة في اوروبا.


تلعب اليونان الليلة وهي تتذيل ترتيب المجموعة السادسة، فالمنتخب الذي صدم العالم في «يورو 2004» بإحرازه اللقب، لم يعد يستطيع حتى التأهل الى البطولة القارية رغم ارتفاع عدد بطاقاتها الى 24. ومما لا شك فيه ان وضع المنتخب اليوناني يشبه كثيراً وضع البلاد بشكلٍ عام، حيث الافلاس وفشل القادة جعل منتخباً مثل جزر فارو المصنّف بعد المئة، يفوز على اليونانيين مرتين في ظرف ستة اشهر.
نعم، فارو حصلت على 6 نقاط من مواجهتيها امام اليونان التي تملك نقطتين فقط. هو كلامٌ لَوُضع في خانة الجنون لو توقّع أيٌّ كان هذا الامر قبل بداية التصفيات. هي الازمة بحدّ ذاتها، والدليل ان منتخب اليونان لم يعرف إلا مدربين اثنين بين 2001 و2014، لكن إثر رحيل البرتغالي فرناندو سانتوس عقب المونديال، احترقت اسماء ثلاثة مدربين رغم ضم المنتخب اليوناني لأسماء تتميّز على الساحة الاوروبية مع انديتها، امثال سقراطيس باباستوبولوس (بوروسيا دورتموند الالماني)، وكوستاس مانولاس (روما الايطالي)، وباناغيوتيس كونيه (اودينيزي الايطالي)، وكوستاس ميتروغلو (بنفيكا البرتغالي).
لكن لا شيء ينفع، وربط الازمة الاقتصادية والمالية المدمرة التي تمرّ بها البلاد بكرة القدم هي مسألة اساسية. هذه الازمة التي جعلت بعض المتعاطين في اللعبة يبحثون عن موارد مالية اخرى منها التلاعب بنتائج المباريات لمصلحة مكاتب المراهنات، فكانت الهزّة الكبرى بإيقاف فانغيليس ماريناكيس رئيس اولمبياكوس، وهو احد اهم الاندية، عن التعاطي بأي شأن رياضي. كذلك، مُنع الرئيس السابق للاتحاد اليوناني جورجيوس ساريس من مغادرة البلاد في فضيحة كبرى وغير مسبوقة.
هي حلقة متصلة بدأت مع بداية الأزمة، فالدوري اليوناني الذي كان من بين افضل 11 بطولة وطنية في العالم (موسم 2008-2009 اي قبل عام على بداية الازمة) على صعيد دفع الاموال والرواتب المرتفعة، بات اعلى راتب لأحد نجومه 1.6 مليون يورو سنوياً وهو للغاني مايكل ايسيان الذي يدافع عن الوان باناثينايكوس. الازمة الاقتصادية افقرت الاندية حيث انخفض مؤشر الحضور الجماهيري في الملاعب بشكلٍ رهيب بعدما كانت كل المباريات شعبية. وهذا الامر مردّه الى سعي الناس إلى توفير اموالهم حيث يذهبون الى حانة لحضور المباراة من دون مقابل، فلا يدفعون سوى ثمن الطعام او المشروب الذي يتناولونه. وحتى بيع القمصان لم يعد حاضراً كما كان في السابق فانخفضت الايرادات من كل النواحي واثرت بشكلٍ كبير في عملية تطوّر اللعبة في البلاد او أقله حفاظها على مستواها السابق.
ضعف الاندية اليونانية اضعف المستوى العام في وقتٍ انتقل فيه المنتخب الى مرحلة يعتمد فيها بشكلٍ كبير على اللاعبين المحليين، وذلك في موازاة خروج البعض الى بطولات اوروبية اخرى من دون ان يحققوا ما فعله اسلافهم، فزاد هذا الأمر من ضعف المنتخب الذي عانى ما عاناه في تصفيات كأس اوروبا حيث لم يحقق اي فوزٍ حتى الآن. والأسوأ أنه مع تراجع مستوى الدوري لم يعد هناك مجال لتطوّر مستوى اللاعب المحلي بشكلٍ يسمح له بالاحتراف في بطولةٍ اقوى، وبالتالي ارتفاع مستواه اكثر ليكون اقوى في خدمة المنتخب، وهذا ما أضعف الأخير أيضاً. كذلك، لم تعد الاندية اليونانية قادرة على فرض حضورٍ قوي على الساحة القارية بسبب المشكلات المادية، فتقلّصت عائداتها أضاً، ولم يعد لاعبوها قادرون على تقديم انفسهم كأسماء تلفت انظار الاندية الكبرى في اوروبا، فتعرض المنتخب لضربات اضافية، وكانت التراجيديا في هذه التصفيات.