بمجرد أن أطلق حكم المباراة بين منتخب ألمانيا ومضيفه الاسكوتلندي في تصفيات كأس أوروبا 2016، كان يواكيم لوف يصفق للاعبيه حتى قبل أن يصافح نظيره غوردون ستراكان.


بالتأكيد لم يكن الارتياح الذي بدا واضحاً على محيا لوف يتوقف فقط عند الفوز 3-2 في عقر دار الاسكوتلنديين «هامبدن بارك»، وما يمثله هذا الانتصار من أهمية، نظراً إلى صعوبة المنتخبات البريطانية بين جماهيرها، بل لشعوره أيضاً بالاطمئنان إلى أداء لاعبيه الذي توجوه بست نقاط في مباراتين بعد الفوز الأول على الضيفة القوية بولونيا 3-1، ليرتقي «المانشافت» مع انتهاء هاتين الجولتين من التصفيات إلى صدارة المجموعة الرابعة بفارق نقطتين عن بولونيا الثانية و4 نقاط عن إيرلندا الثالثة، وليصبح وصوله إلى فرنسا مسألة وقت ليس أكثر مع بقاء جولتين، خصوصاً أن مباراته الأخيرة ستكون على أرضه أمام جورجيا الضعيفة.
الارتياح إذاً هو الانطباع الأول الذي خرج به الألمان بعد هاتين المباراتين القويتين، إذ إن الصورة التي بدا عليها بطل العالم بعد مستواه المذهل في مونديال البرازيل صيف 2014 لم تكن مطمئنة على الإطلاق، لا بل صادمة في بعض الأحيان، وهذا ما ظهر واضحاً في الخسارة التاريخية على أرض بولونيا 0-2 والتعادل مع إيرلندا في ألمانيا 1-1، والخسارتين الوديتين في الأراضي الألمانية أيضاً أمام الأرجنتين 2-4 والولايات المتحدة 1-2.
في حقيقة الأمر، ليس بغريب، عموماً، أن يكون مردود بطل العالم، تحديداً في العام الأول بعد التتويج، مختلفاً عما كان عليه في المونديال، إذ إن حالة من التقاعس يحدث أن تستحوذ على أداء اللاعبين بعد إنجازهم، يضاف إليها التصميم الذي يتسم به أداء الخصوم لإلحاق الهزيمة ببطل العالم، وما يمثله هذا الفوز من أهمية واعتزاز بالنفس. وفي حالة ألمانيا بعد مونديال 2014 يمكن أن نضيف «ثغرة» أخرى، هي اعتزال ميروسلاف كلوزه، وتحديداً القائد فيليب لام. إذ بدا واضحاً منذ صافرة بداية المباراة الأولى بعد المونديال الفراغ الكبير الذي خلّفه لام على الرواق الأيمن، حيث اتضح أن «المانشافت» فقد نقطة قوة كان يحسده عليها كثيرون. ومذّاك راح لوف يجرّب اللاعبين من مباراة لأخرى في هذا المركز، حتى وقع اختياره أخيراً على ظهير ليفربول الإنكليزي الشاب إيمري كان.


أهم من الفوزين
كانت عودة «المانشافت» إلى عافيته


الواضح أن لوف حصل على «الوصفة» الأفضل مع كان، إذ يمكن القول بعد المباراتين الأخيرتين إن هذا اللاعب هو الأقرب، أو الأجدر بين الموجودين، لخلافة لام، حيث أظهر أنه مشروع ظهير ذا شأن مستقبلاً وهذا ما انعكس على المنتخب الألماني لناحية تنشيط الجهة اليمنى. لكن هذا لا يمنع من أن كان لا يزال بحاجة إلى عمل أكثر في الجانب الدفاعي واكتساب الخبرة والتجربة في مثل هذا المستوى من المنافسة الجديد عليه.
الأكيد أن مشاركة إيمري كان لم تكن وحدها السبب في تقديم الألمان أفضل مباراتين على التوالي لهما للمرة الأولى بعد المونديال، بل يضاف إليها، من الناحية الفردية، الثقل الذي أضافه لاعب اسمه إيلكاي غوندوغان، وهذا ما اتضح عند مشاركته في المباراة الأولى في شوطها الثاني حيث قلب الأمور رأساً على عقب، وبعدها شارك أساسياً في الثانية، حيث صال وجال ومرر وسدد وسجل هدفاً رائعاً بتسديدة ذكية، وكاد يسجل الثاني بروعة. فما تأكد أمام بولونيا واسكوتلندا أن غوندوغان بمثابة «الجوكر» في تشكيلة «المانشافت» واللاعب الذي باستطاعته أن يفعل كل شيء ما عدا طبعاً الوقوف في المرمى بدلاً من مانويل نوير. وما تأكد أن هذا اللاعب يجب أن يكون أساسياً، وما مشاركته أمام القائد باستيان شفاينشتايغر و»المايسترو» طوني كروس إلا الحل الأمثل، حيث يشكلون مثلثاً مرعباً.
وعلى الصعيد الفردي أيضاً، يُحسب للوف إعطاؤه الحرية لماريو غوتزه في التنقل بين مركز المهاجم والرواق الأيسر، إذ إن أداء وثقة لاعب بايرن ميونيخ في محصلة المباراتين كانا لافتين، حيث سجل في الأولى هدفين وتميّز بنشاطه وتحركاته وتمريره للكرات في الثانية.
أما على صعيد المجموعة، فيبدو واضحاً أن لوف واللاعبين استشعروا الخطر المحدق من الخصوم وتلمّسوا بدء القلق والتذمرّ لدى جماهيرهم، وهذا ما تثبته نتيجة أحد الاستفتاءات الذي لم يمنح فيه الألمان الثقة لمنتخبهم للتتويج باللقب الأوروبي، فكان لزاماً أن يستعيد اللاعبون زمام الأمور والفورمة والأداء القوي والسريع الممهور بالتمريرات القصيرة الماكرة، والذي لا يضاهيهم فيه أحد حالياً على مستوى المنتخبات، ويثبتوا من جهة أخرى العزيمة الفولاذية للألمان والمقولة التاريخية أنهم «يجوهرون» عند الأزمات وفي الامتحانات الصعبة.
ما يمكن الخروج به على صعيد المنتخب الألماني بعد جولتي التصفيات هاتين، أن «المانشافت» استعاد كثيراً من عافيته، وهي عودة يُتوقع أن تزداد تدريجاً حتى تكتمل في كأس أوروبا الصيف المقبل، خصوصاً مع انتظام النجم ماركو رويس في المجموعة بابتعاد الإصابات عنه، إذ إن الكلام سيختلف كثيراً مع وجود هذا اللاعب، تحديداً، في تشكيلة بطل العالم.