كان من المفترض أن يكون الاهتمام منصبّاً في عطلة نهاية الأسبوع، كالعادة، على مباريات البطولات الأوروبية الوطنية لكرة القدم ونجومها وأهدافها التي تعكس الوجه الجميل لـ»الساحرة المستديرة»، لكن الوجه القبيح لهذه اللعبة الذي يمثّله عدد من المتحكّمين في مفاصلها أطلّ مرة جديدة لينغّص على الملاعب فرحتها ويستحوذ على كل الاهتمام، كما فعل ذلك في يوم 27 أيار الماضي حين أُوقف عدد من المسؤولين البارزين في الاتحاد الدولي لكرة القدم في زيوريخ، ووُجّهت التهم إلى آخرين بالفساد، في ما عرف بـ»فضيحة الفيفا» التي هزّت العالم.


مسار الفضيحة أخذ منحى أكثر خطورة هذه المرة، وتحديداً منذ يوم الجمعة الماضي، حين أعلنت النيابة العامة السويسرية، عقب إلغاء مؤتمر صحافي لرئيس «الفيفا» جوزف بلاتر الذي كان مرتقباً بعد اجتماع اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي في زيوريخ، أنها فتحت تحقيقاً جنائياً مع مواطنها بعد أن استجوبته في شبهات حول «سوء الإدارة واستغلال النفوذ» لتوقيعه عقداً (لمنح حقوق نقل مونديالي 2010 و2014) يخالف مصالح الفيفا مع الاتحاد الكاريبي لكرة القدم، الذي كان يرأسه نائبه السابق الترينيدادي جاك وارنر، وكذلك لدفعه «غير المشروع» لمبلغ مليوني يورو للفرنسي ميشال بلاتيني، رئيس الاتحاد الأوروبي للعبة، ما يعدّ «إضراراً بالفيفا»، وذلك لأعمال قام بها الأخير بصفته مستشاراً لبلاتر بين 1999 و2002، وتم صرفها في عام 2011.


النيابة العامة في سويسرا تفتح تحقيقاً جنائياً مع بلاتر وتستجوب بلاتيني


هكذا إذاً، فقد وصلت العاصفة إلى رأس الهرم في المنظمة الدولية. الأكيد أن بلاتر تلقّى الضربة القاضية التي لن يتمكن من النهوض من بعدها. لم يكن هذا مستغرباً منذ أن أُثيرت هذه الفضيحة في أيار الماضي، وتحديداً بعد أن أقال «الفيفا» قبل أيام أمينه العام، الفرنسي جيروم فالك، من منصبه بتهمة بيع تذاكر حضور المباريات في مونديال 2014 بطريقة غير مشروعة، وقبله في 12 تموز الماضي حين أوقف الاتحاد الدولي الأميركي تشاك بلايزر، أمين عام اتحاد الكونكاكاف السابق، مدى الحياة، وقد تعاون الأخير مع مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي لكشف خبايا الفيفا، وقبله أيضاً في 2 حزيران الماضي حين اعترف الفيفا بأنه حوّل في 2008 مبلغ 10 ملايين دولار من حصة جنوب أفريقيا، مستضيفة مونديال 2010، لحساب وارنر، فضلاً، والأهم، عن استقالة السويسري نفسه من منصبه بعد أيام قليلة من انتخابه في 2 حزيران الماضي لولاية خامسة على رأس الفيفا. كان واضحاً، وفق تسلسل الأحداث هذا وصولاً تحديداً إلى إقالة فالك، الذراع اليمنى لبلاتر، أن الدور آت على السويسري، لكن الترقب كان فقط لكيفية وزمن سقوطه.
لكن المفاجأة الأكثر وقعاً، التي استحوذت على كامل الاهتمام، حتى أكثر من التحقيق مع بلاتر، كانت الاستماع إلى إفادة بلاتيني، المرشح الأبرز لخلافة السويسري في الانتخابات الرئاسية المرتقبة في 26 شباط المقبل، إذ إن هذه هي المرة الأولى التي يرد فيها اسم نجم الكرة السابق في فضيحة «الفيفا»، رغم مسارعته إلى نفي وجود أي مخالفة في المبلغ الذي حصل عليه.
هي مفاجأة بكافة المقاييس طبعاً أن يدخل اسم بلاتيني في هذه المعمعة السيئة التي لم يشهد لها تاريخ الكرة مثيلاً. صحيح أن «أيقونة» الكرة الفرنسية ليس في موضع الاتهام حتى الآن بتلقي رشوة - وهذا رهن التحقيق - لكن من المؤكد أن هذا التطور الأخير شكّل ضربة قوية لمساعيه لرئاسة «الفيفا» في توقيت قاتل، وفتح التساؤلات على مصراعَيها، استباقاً لنتائج التحقيق، حول السرّ في دفع مبلغ المليوني يورو لرئيس الاتحاد الأوروبي الحالي بعد 9 سنوات في عام 2011، وكذلك حول التوقيت في ما إذا كان مصادفاً أنه حصل في شهر شباط من العام المذكور، أي قبل 4 أشهر من انتخابات رئاسة «الفيفا» التي لم يترشح فيها بلاتيني دعماً لصديقه السابق بلاتر. هذه الصداقة التي بدأت عام 1997 حين لعب الفرنسي دوراً في وصول السويسري إلى سدة رئاسة الفيفا في ولايته الأولى خلفاً للبرازيلي جواو هافيلانج واستمرت حتى عام 2014 حين قرر بلاتر الترشح لولاية خامسة لينقلب عليه بلاتيني ويرفض دعمه، لا بل ويعلن ترشّحه للانتخابات المقبلة بعد استقالة الأخير في حزيران.
وبطبيعة الحال، فإن هذا النبأ وقع كالصاعقة على الفرنسيين، ولم تتوان بعض وسائل الإعلام عن مطالبة بلاتيني بتوضيحات والدفاع عن نفسه، بينما ذهب البعض الآخر إلى اعتبار الفرنسي «ضحية» فضيحة «الفيفا»، وصوّب آخرون على بلاتر معتبرين أنه «زجّ» ببلاتيني معه عند سقوطه.
على أي الأحوال، فإن الأيام القليلة المقبلة كفيلة بأن تجيب عن هذه التساؤلات وغيرها، وتكشف الكثير من المفاجآت، خصوصاً بعد أن تردد أن لجنة الأخلاق في «الفيفا» تعتزم التحقيق مع بلاتر وبلاتيني وصولاً ربما إلى إيقافهما، وهذه المفاجآت قد لا تستثني حتى ملف منح قطر حقوق استضافة مونديال 2022، والذي للمفارقة حدد «الفيفا» موعده الشتوي من 21 تشرين الثاني إلى 18 كانون الأول، خصوصاً أن علامات الشكوك تحوم تحديداً حول الفرنسي الذي اعترف قبل أيام بأنه منح صوته للإمارة الخليجية بعد أن كان يعتزم التصويت للولايات المتحدة وتأكيده حضور عشاء مع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي وولي العهد القطري السابق في قصر الإليزيه في عام 2010، قبل فترة وجيزة من التصويت على حقوق الاستضافة، وهو الملف الذي يحقق فيه أيضاً القضاء السويسري بشكل منفصل، والذي أثارته صحيفة «فرانس فوتبول» الفرنسية في تحقيقها الشهير «قطر غايت».
الأكيد أن بلاتر انتهى إلى غير رجعة، يبقى أن تحدّد الأيام المقبلة مصير بلاتيني الذي يبدو أنه على وشك السقوط!